تفسير الطبريالجزء العاشر › سورة الأنفال › القول في تأويل قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}

ابحث في الصفحة

12712 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا معاذ بن معاذ، قال: ثنا ابن عون، عن عيسى بن الحرث، أن أخاه شريح بن الحرث كانت له سرية فولدت منه جارية، فلما شبت الجارية زوجت، فولدت غلاما، ثم ماتت السرية، واختصم شريح بن الحرث والغلام إلى شريح القاضي في ميراثها، فجعل شريح بن الحرث يقول: ليس له ميراث في كتاب الله. قال: فقضى شريح بالميراث للغلام. قال: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} فركب ميسرة بن يزيد إلى ابن الزبير، وأخبره بقضاء شريح وقوله، فكتب ابن الزبير إلى شريح أن ميسرة أخبرني أنك قضيت بكذا وكذا وقلت: {وأولوا الأرحام بعضهم أؤلى ببعض في كتاب الله} وإنه ليس كذلك، إنما نزلت هذه الآية: أن الرجل كان يعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، فنزلت: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}فجاء بالكتاب إلى شريح، فقال شريح: أعتقها جنين بطنها! وأبى أن يرجع عن قضائه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: ثني عيسى بن الحرث، قال: كانت لشريح بن الحرث سرية، فذكر نحوه، إلا أنه قال في حديثه: كان الرجل يعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك؛ فلما نزلت ترك ذلك.

يقول: إن الله عالم بما يصلح عباده في توريثه بعضهم من بعض في القرابة والنسب دون الحلف بالعقد، وبغير ذلك من الأمور كلها، لا يخفى عليه شيء منها.

يعني بقوله جل ثناؤه: {براءة من الله ورسوله} هذه براءة من الله ورسوله.

فـ "براءة" مرفوعة بمحذوف، وهو "هذه"، كما في قوله: {سورة أنزلناها} [النور: 1] مرفوعة بمحذوف هو "هذه"، ولو قال قائل: براءة مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله: {إلى الذين عاهدتم} وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها، إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله: {من الله ورسوله} كالمعرفة، وصار معنى الكلام: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين؛ كان مذهبا غير مدفوعة صحته، وإن كان القول الأول أعجب إلي، لأن من شأن العرب أن يضمروا لكل معاين نكرة كان أو معرفة ذلك المعاين، هذا وهذه، فيقولون عند معاينتهم الشيء الحسن: حسن والله، والقبيح: قبيح والله، يريدون: هذا حسن والله، وهذا قبيح والله؛ فلذلك اخترت القول الأول. وقال: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم} والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين؛ لأن العهود بين المسلمين والمشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يعقدها بأمره، ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعملهم بمعناه، وأن عقود النبي صلى الله عليه وسلم على أمته كانت عقودهم، لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم راضين، ولعقوده عليهم مسلمين، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم، فلذلك قال: {إلى الذين عاهدتم من المشركين} لما كان من عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.

وقد اختلف أهل التأويل فيمن برئ الله ورسوله إليه من العهد الذي كان بينه وبين رسول الله من المشركين فأذن له في السياحة في الأرض أربعة أشهر، فقال بعضهم: صنفان من المشركين: أحدهما: كانت مدة العهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل من أربعة أشهر، وأمهل بالسياحة أربعة أشهر، والآخر منهما كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيثما أدرك ويؤسر إلا أن يتوب. ذكر من قال ذلك: