تفسير الطبريالجزء العاشر › سورة الأنفال › القول في تأويل قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}

ابحث في الصفحة

12730 - حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما نزلت هذه الآيات إلى رأس أربعين آية، بعث بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وأمره على الحج، فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة أتبعه بعلي فأخذها منه، فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء؟ قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض؟" قال: بلى يا رسول الله فسار أبو بكر على الحاج، وعلي يؤذن ببراءة، فقام يوم الأضحى، فقال: لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فله عهده إلى مدته، وإن هذه أيام أكل وشرب، وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب ! فرجع المشركون فلام بعضهم بعضا، وقالوا: ما تصنعون وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي، قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده قال معمر: وقاله قتادة.

قال أبو جعفر رحمه الله، فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا، فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وفى له عهده إلى مدته عن أمر الله إياه بذلك، وعلى ذلك دل ظاهر التنزيل وتظاهرت به الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما الأشهر الأربعة فإنها كانت أجل من ذكرنا، وكان ابتداؤها يوم الحج الأكبر وانقضاؤها انقضاء عشر من ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر متتابعة، جعل لأهل العهد الذين وصفنا أمرهم فيها السياحة في الأرض، يذهبون حيث شاؤوا، لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحد بحرب ولا قتل ولا سلب.

فإن قال قائل: فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت، فما وجه قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقد علمت أن انسلاخها انسلاخ المحرم، وقد زعمت أن تأجيل القوم من الله ومن رسوله كان أربعة أشهر، وإنما بين الحج الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يوما أكثره، فأين الخمسون يوما من الأشهر الأربعة؟ قيل: إن انسلاخ الأشهر الحرم إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود وإما إلى أجل محدود قد نقضه، فصار بنقضه إياه بمعنى من خيف خيانته، فاستحق النبذ إليه على سواء؛ غير أنه جعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر، ألا ترى الله يقول لأصحاب الأشهر الأربعة، ويصفهم بأنهم أهل عهد {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله} ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرام أجلا بأنهم أهل شرك لا أهل عهد، فقال: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله}... الآية {إلا الذين عاهدتم من المشركين}... الآية، ثم قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وبإتمام عهد الذين لهم عهد إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين وإدخال النقص فيه عليهم.

فإن قال قائل: وما الدليل على أن ابتداء التأجيل كان يوم الحج الأكبر دون أن يكون كان من شوال على ما قاله قائلو ذلك؟ قيل له: إن قائلي ذلك زعموا أن التأجيل كان من وقت نزول براءة، وذلك غير جائز أن يكون صحيحا؛ لأن المجعول له أجل السياحة إلى وقت محدود إذا لم يعلم ما جعل له، ولا سيما مع عهد له قد تقدم قبل ذلك بخلافه، فكمن لم يجعل له ذلك؛ لأنه إذا لم يعلم ما له في الأجل الذي جعل له وما عليه بعد انقضائه فهو كهيئته قبل الذي جعل له من الأجل، ومعلوم أن القوم لم يعلموا بما جعل لهم من ذلك إلا حين نودي فيهم بالموسم، و إذا كان ذلك كذلك صح أن ابتداءه ما قلنا وانقضاءه كان ما وصفنا.

وأما قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}

فإنه يعني: فسيروا فيها مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه، يقال منه: ساح فلان في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا.

وأما قوله: {واعلموا أنكم غير معجزي الله}

فإنه يقول لأهل العهد من الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد قبل نزول هذه الآية: اعلموا أيها المشركون أنكم إن سحتم في الأرض واخترتم ذلك مع كفركم بالله على الإقرار بتوحيد وتصديق رسوله، {غير معجزي الله} يقول: غير مفيتيه بأنفسكم؛ لأنكم حيث ذهبتم وأين كنتم من الأرض ففي قبضته وسلطانه، لا يمنعكم منه وزير ولا يحول بينكم وبينه إذا أرادكم بعذاب معقل ولا موئل إلا الإيمان به وبرسوله والتوبة من معصيته. يقول: فبادروا عقوبته بتوبة، ودعوا السياحة التي لا تنفعكم.

وأما قوله: {وأن الله مخزي الكافرين} يقول: واعلموا أن الله مذل الكافرين، ومورثهم العار في الدنيا والنار في الآخرة.