فإن نكل اقتص منه (سم) في الأطراف، وفي النفوس يحبس حتى يحلف (سم) أو يقر، وإن ادعت عليه طلاقاً قبل الدخول استحلف، فإن نكل قضى عليه بنصف المهر واليمين بالله تعالى لا غير، وتغلظ بأوصافه إن شاء القاضي،
ص 114
ويحتاط من التكرار، ولا تغلظ بزمان ولا مكان، ويستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي بالله الذي خلق النار، والوثني بالله، ولا يحلفون في بيوت عباداتهم،
ص 115
فيحلفه في البيع بالله ما بينكما بيع قائم فيما ذكر، وفي النكاح ما بينكما نكاح قائم في الحال، وفي الطلاق ما هي بائن منك الساعة، وفي الوديعة ماله هذا الذي ادعاه في يدك وديعة ولا شيء منه، ولا له قبلك حق،
ص 116
وإذا قال المدعى عليه هذا الشيء أودعنيه فلان الغائب، أو رهنه عندي، أو غصبته منه أو أعارني أو آجرني وأقام على ذلك بينة فلا خصومة إلا أن يكون محتالاً، وإذا قال الشهود أودعه رجل لا نعرفه لم تندفع الخصومة. (373)
---------------
(373) (فإن نكل اقتص منه في الأطراف وفي النفوس يحبس حتى يحلف أو يقر) وقالا: يلزمه الأرش فيهما، لأن النكول إقرار فيه شبهة العدم فلا يثبت به القصاص، فيجب المال سيما إذا ادعى الولي العمد والآخر الخطأ. ولأبي حنيفة أن الأطراف تجري مجرى الأموال فيجري فيها البذل حتى لو قال لغيره اقطع يدي فقطعها لا شيء عليه، وهذا دليل البذل، إلا أنه لا يباح له القطع، لأنه لا فائدة له فيه، والبذل هنا مفيد لانقطاع الخصومة، ولا كذلك النفس فلا يجري فيها البذل، وإذا امتنع القصاص في النفس واليمين مستحقة عليه يحبس بها كما في القسامة.
قال (وإن ادعت عليه طلاقا قبل الدخول استحلف) لأنه دعوى مال (فإن نكل قضى عليه بنصف المهر) لما مر، وكذا إذا ادعت الصداق في النكاح يستحلف لأنها دعوى مال، ويثبت المال بالنكول دون النكاح وقد مر (واليمين بالله تعالى لا غير) قال عليه الصلاة والسلام "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر" (وتغلظ بأوصافه إن شاء القاضي) وقيل يختلف ذلك باختلاف حال الحالف وصلاحه وخوفه وقلة مبالاته وغير ذلك، وقيل يختلف بكثرة المال وقلته، وينبغي للقاضي أن يعظ الحالف قبل الحلف، ويعظم عنده حرمة اليمين، ويتلو عليه قوله تعالى -إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً - الآية، ويذكر له قوله صلى الله عليه وسلم "من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان" وتغليظ اليمين أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، المدرك المهلك، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الكبير المتعال، ويزيد عليه ما يشاء وينقص
(ويحتاط من التكرار) بإدخال الحروف العاطفة بين هذه الأسماء، فإن المستحق عليه يمين واحدة.
(ولا تغلظ بزمان ولا مكان) لأن تعظيم المقسم به حاصل في كل زمان ومكان وهو المقصود، ولا يستحلف بالطلاق ولا بالعتاق للحديث. وقيل يحلف في زماننا لقلة مبالاة الناس باليمين الكاذبة وكثرة إقدامهم على ذلك، وكراهتهم اليمين بالطلاق والعتاق، لأن المقصود امتناعهم عن اليمين الكاذبة وجحود الحق، وذلك فيما يعظمونه أكثر.
قال (ويستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي بالله الذي خلق النار) والأصل في ذلك ما روي "أنه صلى الله عليه وسلم حلف ابن صوريا اليهودي على حكم الزنا في التوراة، فقال له: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى" وإذا ثبت هذا في اليهودي فالنصراني مثله في الإنجيل، والمجوسي في النار، لأن النصراني يعظم الإنجيل، والمجوسي يعظم النار كتعظيم اليهودي التوراة، فيحلفهم بما يكون أعظم في صدورهم، والمذكور في المجوسي قول محمد. أما عندهما يحلف بالله لا غير، لأن التغليظ بغير الله تعالى لا يجوز، ولأن ذكر النار مع ذكر الله تعالى تعظيم لها، ولا يجوز، إلا أن اليهودي والنصراني ورد فيهما نص خاص، ولأن كتب الله تعالى معظمة.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يحلف أحد إلا بالله خالصا (و) يحلف (الوثني بالله) لأنهم يعتقدون الله، قال الله تعالى -ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله - ولا يستحلف بالله الذي خلق الوثن والصنم لما مر، ولو اقتصر في الكل على قوله بالله فهو كاف، لأن الزيادة للتأكيد كما قلنا في المسلم، وإنما يغلظ ليكون أعظم في قلوبهم، فلا يتجاسرون على اليمين الكاذبة.
قال (ولا يحلفون في بيوت عباداتهم) لأن الغرض اليمين بالله، ولأن ذلك يشعر بتعظيمها ولا يجوز، ولأن المسلم ممنوع من دخولها. ويستحلف الأخرس فيقول له القاضي: عليك عهد الله إن كان لهذا عليك هذا الحق، ويشير الأخرس برأسه: أي نعم. ثم الاستحلاف على نوعين: على العقود الشرعية والأفعال الحسية، فالعقود الشرعية:
يحلفه القاضي على الحاصل بالله ماله قبلك ما ادعى من الحق، ولا يحلفه على السبب وهو العقد، لأن العقد ربما انفسخ بالتفاسخ أو بالبراءة من موجبه بالإبراء والإيفاء فيتضرر بذلك لأنه إن حلف كذب، وإن لم يحلف قضى عليه بالنكول، ولا كذلك إذا حلفه على الحاصل لأنه إن كان محقا أمكنه الحلف فلا يتضرر، وقيل أن أنكر المدعى عليه السبب حلف عليه، وإن أنكر الحكم حلف على الحاصل، إلا أن يكون في ذلك ترك النظر للمدعي بأن يدعي الشفعة بالجوار أو نفقة المبتوتة والمدعى عليه لا يراها، فحينئذ يحلفه على السبب، لأنه إذا حلف على الحاصل فهو يعتقد صدق يمينه بناء على اعتقاده فيبطل حق المدعي، فيحلفه بالله ما اشتريت هذه الدار التي سماها بكذا، وفي المبتوتة بالله ما هي معتدة منك، ومثله إذا ادعت الفرقة بمضي مدة الإيلاء يحلفه بالله ما آلى منها في وقت كذا ولا يحلفه بالله ما هي بائن منك لأنه لا يرى ذلك. وعن أبي يوسف أنه يحلفه على العقد إلا إذا ذكر شيئاً مما ذكرنا فيحلفه على الحاصل.
والأفعال الحسية نوعان: أحدها يستحلف على الحاصل أيضاً كالغصب والسرقة. والثاني يحلفه على السبب على ما نبينه في أثناء المسائل إن شاء الله تعالى.
(فيحلفه في البيع بالله ما بينكما بيع قائم فيما ذكر، وفي النكاح ما بينكما نكاح قائم في الحال) لأنه قد يطلقها أو يخالعها بعد العقد (وفي الطلاق ما هي بائن منك الساعة، وفي الوديعة ماله هذا الذي ادعاه في يدك وديعة ولا شيء منه، ولا له قبلك حق) لجواز أن يكون قد برئ من بعضها أو استهلكها، وفي الغصب والسرقة إن كانت العين قائمة بالله ما يستحق عليك رده لأنه قد يغصبه ثم يملكه ببيع أو هبة، وإن كانت هالكة يستحلف على قيمتها، وقيل يحلف على الثوب والقيمة جميعا. والنوع الثاني من الأفعال الحسية أن يدعي على غيره أنه وضع على حائطه خشبة، أو بنى عليه، أو أجرى ميزابا على سطحه أو في داره، أو رمى تراباً في أرضه، أو شق في أرضه نهرا، فإنه يحلف على السبب بالله ما فعلت كذا لأن هذه الأشياء لا ترتفع، ومثله إذا ادعى العبد المسلم على مولاه العتق يحلف على السيب لأنه لا يرتفع، وفي الأمة والعبد الكافر يحلفه على الحاصل، لأن الرق يتكرر على الأمة بالردة واللحاق، وعلى العبد الكافر بنقض العهد واللحاق ولا كذلك المسلم ، ويحلفه في الدين بالله ماله عليك من الدين والقرض عليك ولا كثير، لاحتمال أنه أدى البعض أو أبرأه منه فلا يحنث في يمينه على الجميع، ومن افتدى يمينه من خصمه بمال صالحه عليه جاز وسقط حقه في الاستخلاف أصلاً. وقد روي أن عثمان رضي الله عنه افتدى يمينه وقال: أخاف أن يصيب الناس بلاء فيقولون هذا بيمين عثمان. قال (وإذا قال المدعي عليه هذا الشيء أودعنيه فلان الغائب أو رهنه عندي أو غصبته منه أو أعارني أو آجرني وأقام على ذلك بينة فلا خصومة إلا أن يكون محتالا) ولا بد من إقامة البينة على دعواه لدفع الخصومة لأن بالنظر إلى كونه في يده هو خصم ثم هو بإقراره يريد دفع الخصومة عنه فلا تقبل إلا ببينة. وقوله إلا أن يكون محتالا قول أبي يوسف فإنه قال: إن كان المدعى عليه معروفا بالصلاح فالجواب كما ذكرنا، وإن كان معروفا بالحيل لا يندفع، لأن المحتال قد يدفع ماله إلى غيره، ثم ذلك الغير يودعه إياه، ويسافر احتيالا لدفع الحق، فإذا عرفه القاضي بذلك لا يقبله (وإذا قال الشهود أودعه رجل لا نعرفه لم تندفع الخصومة) لاحتمال أنه المدعي ولو قالوا نعرفه بوجه ولا نعرف اسمه ونسبه اندفعت عند أبي حنيفة. وقال محمد: لا تندفع لأن القضاء بالمجهول باطل، لأن المدعي لا يمكنه اتباعه فيتضرر، وصار كالفصل الأول. ولأبي حنيفة أن اليد تدل على الملك وتوجب الخصومة، فإن أثبت بالبينة كونه مودعاً اندفعت الخصومة عنه، إلا أنهم إذا لم يعرفوه بوجهه احتمل أنه المدعي فلا تندفع، وإذا عرفوه بوجهه ثبت أنه مودع من غير المدعي فاندفعت الخصومة، كما إذا عاين القاضي أنه أودعه غير المدعي، إذ البينة العادلة كمعاينة القاضي، فإن قال المدعى أودعها ثم أوهبها منك ونكر يستحلفه القاضي أنه ما وهبها منه ولا باعها له، فإن نكل صار خصما، ولو ادعى المدعي عليه أنه اشتراها من آخر فهو خصمه لأنه أقر أن يده يد ملك فكان خصماً، ولو قال المدعي عليه نصف الدار لي ونصفها وديعة فلان وأقام البينة على ذلك اندفعت الخصومة في الكل لتعذر التمييز.