وإن اختلفا في الإجارة قبل استيفاء شيء من المنفعة في البدل أو في المبدل يتحالفان ويترادان؛ وإن اختلفا بعد استيفاء جميع المنفعة لم يتحالفا والقول للمستأجر؛ وإن اختلفا بعد استيفاء بعض المنافع يتحالفان، ويفسخ العقد فيما بقي، والقول فيما مضى قول المستأجر؛ وإن اختلفا بعد الإقالة تحالفا وعاد البيع؛ وإن اختلفا في المهر فأيهما أقام البينة قبلت، وإن أقاما فبينة المرأة، فإن لم يكن لهما بينة
ص 123
تحالفا فأيهما نكل قضي عليه، وإذا تحالفا يحكم مهر المثل، فإن كان مثل ما قالت أو أكثر قضي بقولها، وإن كان مثل ما قال أو أقل قضي بقوله، وإن كان اقل مما قالت وأكثر مما قال قضي بمهر المثل، وإن اختلفا في متاع البيت فما يصلح للنساء فللمرأة، وما يصلح للرجال فللرجل؛ وإن مات أحدهما واختلفت ورثته مع الآخر، فما يصلح لهما فللباقي،
ص 124
وإن اختلفا في قدر الكتابة لم يتحالفا. (377)
-------------------
(377) قال (وإن اختلفا في الإجارة قبل استيفاء شيء من المنفعة في البدل أو في المبدل يتحالفان ويترادان) لأن الإجارة قبل استيفاء المنفعة نظير المبيع قبل القبض؛ فإن اختلفا في الأجرة بدئ بيمين المستأجر لأنه منكر، وإن اختلفا في المنفعة بدئ بيمين المؤجر، وأنهما أقام البينة قبلت؛ وإن أقاما فبينة المستأجر إن كان الاختلاف في المنفعة، وإن كان في الأجر فبينة الآجر، وإن كان فيهما قضى بالبينتين، كما إذا قال أحدهما شهراً بعشرة، والآخر شهرين بخمسة يقضي بشهرين بعشر (وإن اختلفا بعد استيفاء جميع المنفعة لم يتحالفا) بالإجماع (والقول للمستأجر) لأنه منكر، وهذا على قولهما ظاهر. وأما على قول محمد فهو إنما يفسخ في الهالك فيرد القيمة، والهالك هنا لا قيمة له على تقدير الفسخ، لأن المنافع لا تتقوم بنفسها بل بالعقد، فلو تحالفا وفسخ العقد تبين أنه لا عقد فيرجع على موضوعه بالنقض (وإن اختلفا بعد استيفاء بعض المنافع يتحالفان، ويفسخ العقد فيما بقي والقول فيما مضى قول المستأجر) لأن الإجارة عندنا تنعقد شيئاً فشيئاً، فما مضى صار كالهالك وما بقي لم ينعقد، بخلاف البيع فإنه ينعقد جملة واحدة.
قال (وإن اختلفا بعد الإقالة تحالفا وعاد البيع) ومعناه: اختلفا قبل القبض؛ أما إذا قبض البائع المبيع بعد الإقالة ثم اختلفا لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد، وهذا على قول من يقول: إن الإقالة بيع لا إشكال إنما الإشكال على أنها فسخ، إلا أنا نقول إنما أثبتنا التحالف فيها قبل القبض، لأن القياس يوافقه، لأن البائع يدعي زيادة الثمن، والمشتري ينكره، والمشتري يدعي وجوب تسليم المبيع بما نقد والبائع ينكره، فكل واحد منهما منكر فيحلف، فكان التحالف على مقتضى القياس قبل القبض، فأثبتنا التحالف قبل القبض بالقياس لا بالنص، ولا كذلك بعض القبض، فإنه على خلاف القياس، لأن المبيع يسلم للمشتري، فلا يدعي شيئاً فلا يكون البائع منكرا.
قال (وإن اختلفا في المهر فأيهما أقام البينة قبلت، وإن أقاما فبينة المرأة) لأنها أكثر إثباتا (فإن لم يكن لهما بينة تحالفا، فأيهما نكل قضي عليه؛ وإذا تحالفا) لا يفسخ النكاح، لأن أثر التحالف في انعدام التسمية، وذلك لا يمنع صحة النكاح بدليل صحته بدون التسمية، بخلاف البيع على ما عرف، لكن (يحكم مهر المثل، فإن كان مثل ما قالت أو أكثر قضى بقولها) لأن الظاهر شاهد لها (وإن كان مثل ما قال أو اقل قضى بقوله، وإن كان أقل مما قالت وأكثر مما قال قضى بمهر المثل) لأنه لم تثبت الزيادة على مهر المثل نظرا إلى يمينه، ولا الحطيطة منه نظرا إلى يمينها، فإذا سقطت التسمية بالتحالف اعتبر مهر المثل كما إذا لم توجد التسمية حقيقة، ويبدأ بيمين الزوج كما في المشتري لأنه منكر، وإن طلقها قبل الدخول بها ثم اختلفا فالقول قوله في نصف المهر؛ وذكر في الجامع الكبير بحكم متعة مثلها وهو قياس قولهما. وقال أبو يوسف: القول قول الزوج قبل الطلاق وبعده، إلا أن يأتي بشيء يسير يكذبه الظاهر، وهو ما لا يصلح مهرا لها، وقيل ما دون العشرة، والأول أحسن. ولهما أن الظاهر يشهد لمن يشهد له مهر المثل نظرا إلى المعتاد والى إنكار الأولياء وتعبيرهم بدون ذلك، والقول في الدعوى قول من يشهد له الظاهر فيصار إليه.
قال (وإن اختلفا في متاع البيت فما يصلح للنساء) كالمقنعة والدولاب وأشباهه (فللمرأة) بشهادة الظاهر (وما يصلح للرجال) كالعمامة والقلنسوة ونحوه (فللرجل) وما يصلح لهما كالأواني والبسط ونحوها فللرجل أيضاً، لأن المرأة والبيت في يد الرجل، فكانت اليد شاهدة بالملك، لأن الملك باليد لا أنه عارضه ما هو أقوى منه وهو ما يختص بها (وإن مات أحدهما واختلفت ورثته مع الآخر فما يصلح لهما فللباقي) لأن اليد للحي لا للميت. وقال محمد: ما يصلح لهما لورثة الزوج بعد موته لقيامهم مقامه، وسواء اختلفا حالة قيام النكاح أو بعد الفرقة. وقال أبو يوسف: يدفع إلى المرأة ما يجهز به مثلها والباقي للزوج مع يمينه، لأن الظاهر أنها تأتي بالجهاز وهذا أقوى من ظاهر الزوج فيبطله، وما وراءه لا يعارض يد الزوج فيكون له، والطلاق والموت سواء، لأن الورثة تقوم مقامه، وإن كان أحد الزوجين مملوكاً فالكل للحر حالة الحياة، لأن يده أقوى، وللحي بعد الموت لأنه لا معارض ليده. وقال أبو يوسف ومحمد، المأذون والمكاتب بمنزلة الحر لأن لهما يدا في الخصومات وغيرها.
قال (وإن اختلفا في قدر الكتابة لم يتحالفا) وقالا: يتحالفان وتفسخ الكتابة لأنه عقد معاوضة، والمولى يدعي بدلا زائدا والمكاتب ينكر، والمكاتب يدعي استحقاق العبد عند أداء ما يدعيه من القدر والمولى ينكره فيتحالفان كالبيع. ولأبي حنيفة أن البدل مقابل في الحال بفك الحجر وهو سالم للعبد، وإنما يصير مقابلا للعتق عند الأداء، فكان اختلافا في قدر البدل لا غير فلا يتحالفان، ويكون القول للمكاتب لأنه منكر للزيادة.