الاختيار لتعليل المختار، للموصليالجزء الثاني › كتاب الشهادات › [جواز الشهادة بكل ما سمع أو شاهد من الحقوق أو العقود]

ابحث في الصفحة

ويجوز أن يشهد بكل ما سمعه أو أبصره من الحقوق والعقود، وإن لم يشهد عليه إلا الشهادة على الشهادة فإنه لا يجوز أن يشهد على شهادة غيره ما لم يشهده (ف)، ولا يجوز أن يشهد بما لم يعاينه إلا النسب والموت والدخول والنكاح، وولاية القاضي، وأصل الوقف،

ص 144

ويجوز أن يشهد على الملك المطلق فيما سوى العبد والأمة، وإذا رأى الشاهد خطه لا يشهد ما لم يذكر الحادثة، (390)

ص 145

------------

(390) فصل: (ويجوز أن يشهد بكل ما سمعه أو أبصره من الحقوق والعقود وإن لم يشهد عليه) لأنه علم الموجب وتيقنه. قال عليه الصلاة والسلام "إن علمت مثل الشمس فاشهد" ويقول أشهد بكذا لأنه علمه ولا يقول أشهدني فإنه كذب.

قال (إلا الشهادة على الشهادة فإنه لا يجوز أن يشهد على شهادة غيره ما لم يشهده) لأن الشهادة ليست موجبة إلا بالنقل إلى مجلس الحكم ولا يكون ذلك إلا بالتحمل، ولو سمعه يشهد غيره على شهادته لا يسعه أن يشهد لأنه ما حمله وتجوز شهادة المختبئ، وهو أن يقر الرجل بحق والشهود مختبئون في بيت يسمعون إقراره، فإنه يحل لهم الشهادة إذا كانوا يرون وجهه ويعرفونه، وإن لم يروه لا يحل لهم إلا إذا علموا أن ليس في البيت غيره فيحل لهم ذلك، وكذا إذا سمعوا صوت امرأة من وراء حجاب.

قال (ولا يجوز له أن يشهد بما لم يعاينه إلا النسب والموت والدخول والنكاح وولاية القاضي وأصل الوقف) والقياس أنه لا يجوز، لأن الشهادة من المشاهدة وهي المعاينة ولم توجد. وجه الاستحسان أن هذه الأشياء تباشر بحضور جماعة مخصوصين وتتعلق بها أحكام مستمرة فأقيمت الشهرة والاستفاضة مقام العيان والمشاهدة كيلا تتعطل هذه الأحكام، وعلى هذا الناس من الصدر الأول إلى يومنا هذا، ألا ترى أنا نشهد أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك سائر زوجاته وفاطمة رضي الله عنها زوجة علي رضي الله عنه وغير ذلك، ونشهد بنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ونشهد بقضاء شريح وابن أبي ليلى وأبي يوسف، ونشهد بموت الخلفاء الراشدين وغيرهم، والشهرة إنما تكون إما بالتواتر أو بإخبار من يثق به، حتى لو أخبره واحد يثق به جاز؛ واشترط بعضهم رجلين أو رجلا وامرأتين؛ وقيل يكتفي في الموت بشهادة الواحد، لأنه قل ما يحضره غير الواحد، وإذا رأى رجلاً يجلس للقضاء ويدخل عليه الخصوم حل له الشهادة بولايته؛ وكذا إذا رأى رجلا وامرأة يسكنان في بيت واحد ويتعاشران معاشرة الأزواج حل له الشهادة بالنكاح بينهما كما إذا رأى عينا في يد رجل. وأما الوقف فالصحيح ما ذكرنا أنه يجوز على أصله دون شرطه، لأن الأصل هو الذي يشتهر، فلو لم تجز الشهادة عليه أدى إلى استهلاك الأوقاف القديمة، وكذلك الولاء عند أبي يوسف كما في النسب، قال عليه الصلاة والسلام "الولاء لحمة كلحمة النسب" ولأنا نشهد أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلالا مولى أبي بكر رضي الله عنه إلى غير ذلك، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأن الخبر لا يشتهر لأنه مبني على الإعتاق وذلك يكون بحضرة من لا يشتهر غالبا وصار كالعتاق والطلاق، والمراد بالحديث أنه مثله لا يباع ولا يوهب، وينبغي للشاهد أن يطلق الشهادة عند القاضي حتى لو فسرها وقال إنه شهد بالتسامع لا يقبلها، وكذلك في الشهادة باليد لا يفسرها.

قال (ويجوز أن يشهد على الملك المطلق) إذا رآه في يده (فيما سوى العبد والأمة) لأن اليد دليل الملك وهو المرجع في الأسباب كالبيع والهبة والوصية والإرث وغيرها.

واشترط أبو يوسف أن يقع في قلبه أنه له، ويجوز أن يكون تفسيرا للأول، واشترط الخصاف التصرف مع اليد فان اليد تتنوع. قلنا والتصرف أيضاً يتنوع إلى أمانة وملك، وإنما يحل له ذلك إذا عاين الملك والمالك، أو عاين الملك وحده وعرف المالك بالاشتهار بنسبه. أما إذا عاين المالك وحده لا يحل له، وهذا بخلاف العبد والأمة، لأن الحر يستخدم كما يستخدم العبد كالأجير الخاص ونحوه، فلا تكون اليد دليلا حتى يعلم أنه رقيق، فيجوز أن يشهد أنه له باليد، لأن الرقيق لا يكون في يد نفسه، وكذلك إن كانا صغيرين لا يعبران عن أنفسهما يجوز أن يشهد، وإن لم يعرف رقهما لأن لا يد لهما بخلاف الكبيرين.

قال (وإذا رأى الشاهد خطه لا يشهد ما لم يذكر الحادثة) وهكذا القاضي والراوي لأن الخط يشبه الخط فلا يحصل العلم، قالوا: وهذا عند أبي حنيفة، وقيل هو إجماع؛ وإنما الخلاف إذا وجد القاضي القضية في ديوانه تحت ختمه، وكذا إذا رأى الشاهد رقم شهادته عنده تحت ختمه، وكذلك الراوي فيجوز عندهما، وإن لم يذكر الحادثة لوقوع الأمن من الزيادة والنقصان. أما ما كان في الصك بيد الخصم وليس عنده نسخته لا يجوز لما بينا، وعند أبي حنيفة لا يجوز ما لم يذكر الحادثة، قال صلى الله عليه وسلم "إن علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع" ولا علم مع النسيان، وشرط حل الرواية عنده أن يحفظ من حين سمع إلى أن يروى، ولهذا قلت رواية أبي حنيفة رضي الله عنه، وكذا إذا ذكر المجلس الذي كان فيه الحادثة أو أخبره بها من يثق به لا يحل له ما لم يذكرها.