الاختيار لتعليل المختار، للموصليالجزء الثالث › كتاب النكاح › [فصل في أن عبارة النساء معتبرة في النكاح]

ابحث في الصفحة

ص 90

وعبارة النساء معتبرة في النكاح حتى لو زوجت الحرة العاقلة البالغة نفسها جاز؛ وكذلك لو زوجت غيرها بالولاية أو الوكالة، وكذا إذا وكلت غيرها في تزويجها، أو زوجها غيرها فأجازت (م). (473)

---------

(473) فصل: (وعبارة النساء معتبرة في النكاح حتى لو زوجت الحرة العاقلة البالغة نفسها جاز، وكذلك لو زوجت غيرها بالولاية أو الوكالة؛ وكذا إذا وكلت غيرها في تزويجها أو زوجها غيرها فأجازت) وهذا قول أبي حنيفة وزفر والحسن، وظاهر الرواية عن أبي يوسف. وقال محمد: لا يجوز إلا بإجازة الولي، فإن ماتا قبلها لا يتوارثان ولا يقع طلاقه ولإظهاره ووطؤه حرام، فإن امتنع الولي من الإجازة ذكر الطحاوي عن محمد يجدد القاضي العقد بينهما.

وذكر هشام عن محمد فإن لم يجزه الولي أجيزه أنا، وكان يومئذ قاضيا فصار عنه روايتان. وروى عنه أنه رجع إلى قول أبي حنيفة قبل موته بسبعة أيام. وحكى الفقيه أبو جعفر الهندواني: أن امرأة جاءت إلى محمد قبل موته بثلاثة أيام وقالت: إن لي وليا وهو لا يزوجني إلا بعد أن يأخذ مني مالا كثيرا، فقال لها محمد: اذهبي فزوجي نفسك، وهذا يؤيد ما روي من رجوعه. وعن أبي يوسف في غير رواية الأصول مثل قول محمد الأول. وفي رواية إن زوجت نفسها من كفء لا يتوقف، وإن كان من غير كفء يتوقف على إجازة الولي. وجه عدم الجواز ما روت عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" وقوله عليه الصلاة والسلام "لا نكاح إلا بولي" ولأنها كانت موليا عليها قبل البلوغ في حق العقد والنفاذ لعدم رأيها، فلو زال إنما يزول بما حدث لها من الرأي والعقل بالبلوغ، وإنما حدث لها رأي وعقل ناقص، ومن لم يحدث له رأي أصلا كمن بلغ مجنونا لا تزول عنه الولاية أصلا، ومن حدث له عقل كامل ورأي وافر كالرجل تزول ولايته أصلا، فإذا حدث الناقص فكأنه حدث من وجه دون وجه فثبتت لها إحدى الولايتين وهو الانعقاد دون النفاذ عملا بالشبهين، ووجه الفسخ إذا لم يجز الولي أن النكاح إلى الأولياء بالحديث فيتوقف على إجازته ويرتد برده كما إذا عقد وتوقف على إجازتها، فإذا بطل يجدد القاضي النكاح. ووجه رواية هشام أنه عقد صدر من المالك وتوقف على إجازة صاحب الحق فلا ينفسخ برده كالراهن إذا باع الرهن ورده المرتهن فإنه لا ينفسخ البيع حتى لو صبر المشتري إلى حين انفكاك الرهن نفذ، وإذا بقي العقد أجازه القاضي إن امتنع الولي لظلمه بخلاف ما ذكر من المسألة لأن المرأة هي المالكة فتبطل بردها كما إذا باع المرتهن

ص 91

ورد الراهن. وجه قول أبي حنيفة قوله تعالى - حتى تنكح زوجا غيره - وقال تعالى - فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف - وفي آية أخرى - من معروف - أضاف النكاح والفعل إليهن، وذلك يدل على صحة عبارتهن ونفاذها لأنه أضافه إليهن على سبيل الاستقلال إذا لم يذكر معها غيرها، وهي إذا زوجت نفسها من كفء بمهر المثل فقد فعلت في نفسها بالمعروف فلا جناح على الأولياء في ذلك. وروى ابن عباس "أن فتاة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله إن أبي زوجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته وأنا له كارهة، فقال لها: أجيزي ما صنع أبوك، فقالت: لا رغبة فيما صنع أبي، قال: فاذهبي فأنكحي من شئت، فقالت: لا رغبة لي عما صنع أبي يا رسول الله ولكني أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء" والاستدلال به من وجوه: أحدها قوله عليه الصلاة والسلام "فأنكحي من شئت". الثاني قولها ذلك ولم ينكر عليها فعلم أنه ثابت إذ لو لم يكن ثابتا لما سكت عنه. الثالث قوله "أجيزي ما صنع أبوك" يدل على أن عقده غير نافذ عليها، وفيه دليل لأصحابنا على أن العقد يتوقف أيضا. وفي البخاري "أن خنساء بنت جزام أنكحها أبوها وهي كارهة فرده النبي عليه الصلاة والسلام" وروي أن امرأة زوجت بنتها برضاهاـ فجاء الأولياء وخاصموها إلى علي رضي الله عنه؛ فأجاز النكاح. وهذا دليل الانعقاد بعبارة النساء، وأنه أجاز النكاح بغير ولي لأنهم كانوا غائبين لأنها تصرفت في خالص حقها ولا ضرر فيه لغيرها، فينفذ كتصرفها في مالها والولاية في النكاح أسرع ثبوتا منها في المال، ولهذا يثبت لغير الأب والجد ولا يثبت لهم في المال ولأن النكاح خالص حقها حتى يجبر الولي عليه عند طلبها وبذله لها، وهي أهل لاستيفاء حقوقها، إلا أن الكفاءة حق الأولياء فلا تقدر على إسقاط حقهم. وأما ما ذكر من الأحاديث فمعارضة بما روينا فإما أن يرجع إلى القياس وهو لنا على المال والرجل أو يوفق بين الحديثين فيحمل ما رويناه على الحرة العاقلة البالغة، وما رويتموه على الأمة توفيقا، كيف وقد ورد في بعض الروايات "أيما أمة نكحت نفسها" فيحمل المطلق على المقيد أو يرجح والترجيح معنا، لأن ما ذكرناه سالم عن الطعن وما رواه مطعون فيه، فقد حكى عن أبي العباس المروزي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: ثلاثة أحاديث لم تثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام "كل مسكر حرام، ومن مس ذكره فليتوضأ، ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ووافقه على ذلك أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه، على أنا نقول: المرأة ولية نفسها فلا يكون نكاحا بلا ولي فلم قلتم إنها ليست وليا؟ ولو قلتم ذلك استغنيتم عن الحديث، وكذا الحديث الآخر فإنه من رواية سليمان بن يسار عن الزهري وهو ضعيف ضعفه البخاري وأسقط روايته. وروى أن مالكا وابن جريح سألا الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه، والراوي إذا أنكر الخبر دل على بطلانه كالأصول مع الفروع، ولأن من مذهب عائشة رضي الله عنها جواز النكاح بعبارة النساء، فإنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن حين غاب بالشام، دل ذلك على عدم صحة الحديث وروايتها له أو على نسخه أو على رجحان ما ذكرنا، وقوله الحادث لها رأي ناقص، قلنا المعتبر في باب الولاية مطلق العقل والبلوغ دون الزيادة والنقصان، فإن الناس يتفاوتون في الرأي والعقل تفاوتا فاحشا، ولا اعتبار به في باب الولاية، فإن كامل العقل والرأي ولايته على نفسه وماله كولاية ناقصهما، وكم من النساء من يكون أوفر عقلا وأشد رأيا من كثير من الرجال، ولأن في اعتبار ذلك حرجا عظيما وهو حرج التمييز بين الناس، فعلم أن المعتبر أصل البلوغ والعقل وقد وجدا في المرأة، فيترتب عليهما ما يترتب عليهما في الرجل قياسا على المال.