الاختيار لتعليل المختار، للموصليالجزء الثالث › كتاب النكاح › [مهر المثل بما يتحدد]

ابحث في الصفحة

ومهر مثلها يعتبر بنساء عشيرة أبيها، فإن لم يوجد منهم مثل حالها فمن الأجانب، ويعتبر بامرأة هي مثلها في السن والحسن والبكارة والبلد والعصر والمال، فإن لم يوجد ذلك كله فالذي يوجد منه؛ وللمرأة أن تمنع نفسها وأن يسافر بها حتى يعطيها مهرها،

ص 109

فإذا أوفاها مهرها نقلها إلى حيث شاء، وقيل لا يسافر بها وعليه الفتوى. (484)

---------

(484) قال (ومهر مثلها يعتبر بنساء عشيرة أبيها) كأخواتها وعماتها وبنات عمها دون أمها وخالتها إلا أن يكونا من قبيلة أبيها، هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع حين تزوجت بغير مهر، فقال: لها مهر مثل نسائها ونساؤها أقارب الأب، ولأن قيمة الشيء تعرف بقيمة جنسه، وجنسه قوم أبيه (فإن لم يوجد منهم مثل حالها فمن الأجانب) تحصيلا للمقصود بقدر الوسع.

قال (ويعتبر بامرأة هي مثلها في السن والحسن والبكارة والبلد والعصر والمال) فإن المهر يختلف باختلاف هذه الأوصاف لأن الرغبات تختلف بها (فإن لم يوجد ذلك كله فالذي يوجد منه) لأنه يتعذر اجتماع هذه الأوصاف في امرأتين فيعتبر بالموجود منها لأنها مثلها. وعن بعض المشايخ أن الجمال لا يعتبر إذا كانت ذات حسب وشرف، وإنما يعتبر في الأوسط لأن الرغبة حينئذ في الجمال.

قال (وللمرأة أن تمنع نفسها وأن يسافر بها حتى يعطيها مهرها) لأن حقه قد تعين في المبدل فوجب أن يتعين حقها في البدل تسوية بينهما، وإن كان المهر كله مؤجلا ليس لها ذلك لأنها رضيت بتأخير حقها؛ وعند أبي يوسف لها ذلك لأنها سلمت إليه فليس لها أن تمتنع بعده كالبائع إذا سلم المبيع ليس له حبسه بعد ذلك، وله أن المهر مقابل بجميع الوطآت لئلا يخلو الوطء عن العوض إظهارا لخطر البضع إلا أنه تأكد بوطأة الأولى لجهالة ما وراءها، والمجهول لا يزاحم المعلوم فإذا وجد بعده وطء آخر صار معلوما فتحققت المزاحمة فصار المهر مقابلا بالكل، ونظيره العبد الجاني إذا جنى جناية يدفع بها، فإن لم يدفع حتى جنى أخرى وأخرى دفع بالكل.

قال (فإذا أوفاها مهرها نقلها إلى حيث شاء) لقوله تعالى - أسكنوهن من حيث سكنتم - (وقيل لا يسافر بها وعليه الفتوى) لفساد أهل الزمان، والغريب يؤذى، وقيل يسافر بها إلى قرى المصر القريبة لأنها ليست بغربة، وإذا ضمن الولي المهر صح ضمانه كغيره من الديون، وللمرأة أن تطالب أيهما شاءت كسائر الكفالات، وحكمها في الرجوع كغيرها من الكفالات؛ ولو ضمن المهر عن ابنه الصغير صح لما قلنا، ولا يرجع عليه إذا أدى لأنه صلة عرفا، فإن مات الأب قبل الأداء فأخذ من تركته رجع بقية الورثة على الابن من حصته لأنهم أدوا عنه دينا عليه من مال مشترك. وقال زفر: لا يرجعون كما إذا كفل عن ابنه الكبير بغير أمره أو عن أجنبي. قلنا الكفالة هنا بأمر المكفول عنه حكما لولاية الأب، فكانت كفالته دليل الأمر من جهته ليرجع، بخلاف الكبير والأجنبي لأنه لا ولاية له عليهما، وبخلاف ما إذا أدى حال حياته لأنه متبرع، فإن العادة جارية بتبرع الآباء بمهر الأبناء.