ص 133
وألفاظ البائن قوله: أنت بائن، بتة، بتلة، حرام، حبلك على غاربك، خلية، برية، الحقي بأهلك، وهبتك لأهلك، سرحتك، فارقتك، أمرك بيدك، تقنعي، استتري، أنت حرة، اغربي، اخرجي، ابتغي الأزواج؛ ويصح فيها نية الواحدة والثلاث، ولو نوى الثنتين فواحدة، ولو قال لها: اختاري ينوي الطلاق فلها أن تطلق نفسها في مجلس علمها، ويبطل خيارها بالقيام، وبتبدل المجلس،
ص 134
فإذا اختارت نفسها فهي واحدة بائنة، ولا يكون ثلاثا وإن نواها، ولا بد من ذكر النفس أو ما يدل عليه في كلامه أو كلامها، (503)
---------
(503) قال (وألفاظ البائن قوله: أنت بائن، بتة، بتلة، حرام، حبلك على غاربك، خلية، برية، الحقي بأهلك، وهبتك لأهلك، سرحتك، فارقتك، أمرك بيدك، تقنعي، استتري، أنت حرة، اغربي، اخرجي، ابتغي الأزواج، ويصح فيها نية الواحدة والثلاث) لأن البينونة خفيفة وغليظة فأيهما نوى صح، وإن نوى نفس الطلاق فواحدة لأنه الأدنى (ولو نوى الثنتين فواحدة) لأنهما عدد واللفظ لا يدل على العدد، وفيه خلاف زفر وقد تقدم، ولا يقع إلا بالنية أو في حال مذاكرة الطلاق لأنه دليل عليه فيقع في القضاء ولا يقع ديانة إلا بالنية، وتقع واحدة لأنه أدنى. ثم هي ثلاثة أقسام: منها ما يصلح جوابا لا غير، وهي ثلاثة: أمرك بيدك، اختاري، اعتدي. ومنها ما يصلح جوابا وردا لا غير وهي سبعة: اخرجي، اذهبي، اغربي، قومي، تقنعي، استتري، تخمري. ومنها ما يصلح جوابا وردا وشتيمة وهي خمسة: خلية، برية، بتة، بائن، حرام. وعن أبي يوسف أنه ألحق بالقسم الأول خمسة أخرى: خليت سبيلك، سرحتك، لا ملك لي عليك، لا سبيل لي عليك، الحقي بأهلك.
والأحوال ثلاثة: حالة مطلقة وهي حالة الرضا، وحالة مذاكرة طلاقها، وحالة غضب. أما حالة الرضا فلا يقع الطلاق بشيء من ذلك إلا بالنية لما تقدم، والقول قول الزوج في عدم النية لأنه لا يطلع غيره عليه والحال لا يدل عليه. وفي حال مذاكرة الطلاق يقع الطلاق قضاء ولا يصدق على عدمه إلا فيما يصلح جوابا وردا لأنه لا يحتمل الرد وهو الأدنى فيصدق فيه. وفي حالة الغضب يصدق إلا فيما يصلح جوابا لا غير، لأنه يصلح للطلاق الذي يدل عليه الغضب فيجعل طلاقا.
قال (ولو قال لها اختاري ينوي الطلاق فلها أن تطلق نفسها في مجلس علمها) فإن كانت حاضرة فبسماعها، وإن كانت غائبة فبالإخبار لأن المخيرة لها المجلس بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، ولأنه ملكها فعل الاختيار، والتمليكات تقتضي جوابا في المجلس كالبيع والهبة ونحوهما.
(ويبطل خيارها بالقيام) لأنه دليل الإعراض (وبتبدل المجلس) حقيقة بالانتقال إلى مجلس آخر، ومعنى بتبدل الأفعال فمجلس الأكل غير مجلس القتال، ومجلس القتال غير مجلس البيع والشراء؛ ويبطل بتبدل المجلس. وإن كانت معذورة فإن محمداً رحمه الله قال: إذا أخذ الزوج بيدها وأقامها من المجلس بطل خيارها، ولو كانت في صلاة مكتوبة أو وتر فأتمتها لا يبطل، وكذا في التطوع إن تمت ركعتين لأنها ممنوعة عن قطعها، وإن تمت أربعا بطل لأن الزيادة على ركعتين في النفل كالدخول في صلاة أخرى. وعن محمد في الأربع قبل الظهر لا تبطل وإن أتمتها أربعا، وهو الصحيح، ولو كانت قائمة فقعدت فهي على خيارها لأنه دليل التروي، فإن القعود أجمع للرأي، وكذا إذا كانت قاعدة فاتكأت، أو متكئة فقعدت، لأنه انتقال من جلسة إلى جلسة وليس بإعراض، كما إذا تربعت بعد أن كانت محتبية. وقيل إذا كانت قاعدة فاتكأت بطل خيارها لأنه إظهار للتهاون بالأمر فكان إعراضا، والأول أصح، ولو كانت قاعدة فاضطجعت فعن أبي يوسف روايتان، وإن كانت تسير على دابة أو في محمل فوقفت فهي على خيارها، وإن سارت بطل خيارها، إلا أن تختار مع سكوت الزوج، لأن سير الدابة ووقوفها مضاف إليها، فإذا سارت كان كمجلس آخر (فإذا اختارت نفسها فهي واحدة بائنة) لأن اختيارها نفسها يوجب اختصاصها بها دون غيرها وذلك بالبينونة (ولا يكون ثلاثا وإن نواها) لأن الاختيار لا يتنوع (ولا بد من ذكر النفس أو ما يدل عليه في كلامه أو كلامها) مثل أن يقول اختاري نفسك فتقول اخترت، أو يقول لها اختاري فتقول اخترت نفسي لأن ذلك عرف بإجماع الصحابة، وأنه المفسر من أحد الجانبين، ولأن المبهم لا يصلح تفسيرا للمبهم، حتى لو قال لها اختاري، فقالت اخترت فليس بشيء، لأن الاختيار ليس من ألفاظ الطلاق وضعا، وإنما جعل بالسنة فيما إذا كان مفسرا، فإذا لم يكن كذلك لا يقع به شيء، ولأن قوله اختاري، وقولها اخترت ليس له مخصص بها فلا يقع الطلاق، فإذا ذكرت النفس تخصص الاختيار لها فيقع. وقال في المحيط: ولا بد من ذكر النفس أو التطليقة أو الاختيارة في أحد الكلامين لوقوع الطلاق؛ أما ذكر النفس فلما ذكرنا؛ وأما ذكر التطليقة فظاهر؛ وأما الاختيارة فلأن الهاء تنبئ عن التفرد، واختيارها نفسها هو الذي يتحد مرة ويتعدد أخرى، فصار مفسرا من جانبه. والقياس أن لا يقع بالتخيير طلاق إن نوى، لأنه لا يملك إيقاع الطلاق بهذا اللفظ فلا يملك التفويض إلى غيره، ولأن قولها أنا اختار نفسي يحتمل الوعد فلا يكون جوابا مع الاحتمال. وجه الاستحسان إجماع الصحابة رضي الله عنهم، ولأن الشرع جعل هذا إيجابا وجوابا لما روى أنه لما نزل قوله تعالى - يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها - الآية، "بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، فقال: إني أخبرك بشيء فما عليك ألا تجيبني حتى تستأمري أبويك ثم أخبرها بالآية، فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي يا رسول الله؟ لا، بل اختار الله ورسوله" وأرادت بذلك الاختيار للحال، وأعده رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا وإيجابا، ولأن له أن يستديم النكاح وله أن يفارقها، فله أن يقيمها مقام نفسه في ذلك.