كشف الغمة عن جميع الأمة، للشعرانيالجزء الأول › كتاب الأشربة › باب آداب الأكل وبيان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وإيثاره على نفسه وتقلله من الدنيا وغير ذلك › فرع

ابحث في الصفحة

وكان جابر رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة هو وأهله طاوين لا يجدون عشاء، وإنما كان خبزهم الشعير، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أقفر من أدم بيت فيه خل" ومعنى ما أفقر: ما خلا. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام تباعاً حتى قبض، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين، وكلما أتذكر الحال الذي فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها بكيت. وفي رواية: والله ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز ولحم مرتين في يوم ولو شئنا لشبعنا، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يؤثر على نفسه. وقال أنس رضي الله عنه: ناولت فاطمة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرة من خبز شعير، [1/ 306] فقال: ما هذه؟. فقالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة، فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا أول طعام أكله أبوكي منذ ثلاثة أيام". وكانت خولة بنت قيس رضي الله عنها تقول: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ تحت حمزة بن عبد المطلب، فصنعت له صلى الله عليه وسلم سخينة فأكل منها وأكلنا فضلته صلى الله عليه وسلم، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام سخن فأكل، فلما فرغ قال: "الحمد لله ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا". وكان صلى الله عليه وسلم يكثر مرق الطعام ويتعاهد جيرانه ويقول: "أن الجيران إذا تواصلوا وعطف بعضهم على بعض أجرى الله عليهم الرزق، وكانوا في كنف الله عز وجل"، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: "يا ابن عمر! ما لك لا تأكل؟". قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: "لكني أشتهيه وهذه صبح منذ أربعة لم أذق طعاماً، ولو شئت لدعوت ربي عز وجل فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر"، ثم قال: "كيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يحبون رزق سنتهم ويضعف اليقين". فوالله ما برحنا حتى نزلت: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم} (العنكبوت: 60) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله عز وجل، ألا وإني لا أكنز ديناراً ولا درهماً، ولا أخبأ رزقاً لغد". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أخوف ما أخاف على أمتي كبر البطن ومداومة النوم والكسل وضعف اليقين". وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أول ما سمع بالفالوذج أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقال: إن أمتك ستفتح عليهم الأرض وتكثر عليهم الدنيا حتى أنهم ليأكلون الفالوذج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما الفالوذج؟". قال: يخلطون العسل والسمن جميعاً، فشهق النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك. قال ابن عمر رضي الله عنهما: ولما دخل عمر رضي الله عنه الشام قدم إليه خبيص، فقال: ما هذا؟. فقالوا: طعام نصنعه من العسل والدقيق، فقال: كل الناس يأكلون منه؟. قالوا: لا، قال: لا حاجة لنا فيه، وكان رضي الله عنه يقول: كلوا الخبز الفطير بالجبن فإنه أبقى في البطن. قال الحسن رضي الله عنه: وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم لا يتحرج من طعام أحله الله تعالى ويرون التورع عن ذلك من أفعال الجاهلية. قال شيخنا: ما فعله عمر أكمل في حق المؤمنين وما فعله بعض الصحابة أكمل في حق العارفين الذين يشهدون أن كل شيء قدم إليهم هدية من الله عز وجل. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، أو قال ثلاثاً أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: ما كان يبقى على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير قليل ولا كثير، وفي رواية: ما رفعت مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يديه وعليها فضلة من طعام قط. وكان كعب بن عجرة رضي الله عنه يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته متغير اللون، قال: فقلت [1/ 307] بأبي أنت، ما لي أراك متغيراً؟. قال: "ما دخل جوفي ما يدخل جوف ذات كبد منذ ثلاث"، قال: فذهبت فإذا بيهودي يسقي إبلاً له فسقيت له على كل دلو بتمرة فجمعت تمراً، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من أين لك يا كعب؟". فأخبرته، فقال صلى الله عليه وسلم: "أتحبني يا كعب؟". قلت: بأبي أنت، نعم، قال: "إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه" وقال الحسن رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسي الناس بنفسه حتى جعل يرفع إزاره بالأدم وما جمع بين غداء وعشاء ثلاثة أيام ولاء حتى لحق بالله تعالى. وكانت أم أيمن رضي الله عنها تقول: غربلت مرة دقيقاً فصنعت للنبي صلى الله عليه وسلم رغيفاً منه، فقال: ما هذا؟.

قلت: طعام نصنعه بأرضنا، فأحببت أن أصنع لك منه رغيفاً، فقال: "رديه فيه ثم اعجنيه فأنا لا نأكل دقيقاً مغربلاً" يعني منخولاً. وكان أنس رضي الله عنه يقول: لم ينخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دقيق أبداً، إنما كانوا ينفخون الدقيق فيطير منه ما طار وما بقي عجنوه. وكان عمر رضي الله عنه يأكل الدقيق الخشن ويقول للخادم: أملكي العجين فإنه أحد الطحنين. قال ابن عمر رضي الله عنهما: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي من الجوع ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه، والدقل هو رديء التمر. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: إن كان ليمر بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأهلة ولا يسرج في بيت أحد منهم سراج ولا يوجد فيه نار إن وجدا دهناً ادهنوا به وإن وجدوا ودكاً أكلوه. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: أرسل إلينا أبي بكر رضي الله عنه بقائمة شاة ليلاً فأمسكت وقطع النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: وذلك على غير مصباح، ولو كان عندنا دهن مصباح لأكلناه. وكانت رضي الله عنها تقول: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، ولكن لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة أصبنا شيئاً من التمر والودك. وكان أبو طلحة رضي الله عنه يقول: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا ثيابنا عن حجر حجر إلى بطوننا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين، وقال أنس رضي الله عنه: جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فوجدته جالساً وقد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه: لِمَ عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟. فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة وهو زوج أم سليم، فقلت: يا أبتاه لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع، فدخل أبو طلحة على أمي فقال: هل من شيء؟. فقالت: نعم، عندي كسرة من خبز وتمرات فإن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء آخرون معه قل عنهم، وقالت سلمى امرأة أبي رافع رضي الله عنها: دخل عليَّ الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم فقالوا: اصنعي لنا طعاماً مما كان يعجب للنبي صلى الله عليه وسلم أكله، قلت: يا بني إذاً لا تشتهونه اليوم، فقمت فأخذت شعيراً فطحنته ونسفته وجعلت منه خبزة، وكان أدامه الزيت ونثرت عليه الفلفل فقربته إليهم وقلت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب هذا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء [1/ 308] يواريه إبط بلال". وكان عروة رضي الله عنه يقول: قالت لي عائشة رضي الله عنها: والله يا ابن أختي إنا كنا لننظر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما يوقد في جميع أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، قلت: يا خالة! فما كان يعيشكم؟. قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار لهم منائح فيرسلون لنا من ألبانها فنشرب منها. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الباب الجامع مزيد على هذا، والله أعلم.