أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، لمحمد رضا[متن الكتاب] › موقعة بُزَاخة وفرار طُلَيحة إلى الشام.

ابحث في الصفحة

وجه أبو بكر خالد بن الوليد لمحاربة طليحة فإذا فرغ من قتاله سار إلى مالك بن نُوَيرة بالبُطاح(45).

وكان أبو بكر بعث عدي بن حاتم(46) قبل خالد بن الوليد إلى طيء وأَتْبعه خالداً وأمره أن يبدأ بطيء ومنهم يسير إلى بُزَاخة ثم إلى البُطاح ولا يبرح إذا فرغ من قوم حتى يأذن له وأظهر للناس أنه خارج بجيش إلى خيبر حتى يلاقي خالداً وذلك بقصد إرهاب العدو.

قدم عدي بن حاتم إلى طيء كما أمره أبو بكر [ص 66] ليدعوهم إلى الإسلام قبل أن يحاربهم خالد. فلما دعاهم وخوَّفهم طلبوا إليه أن يتوسط في تأخير الجيش عنهم ثلاثة أيام حتى يتمكنوا من سحب من انضم إليهم إلى طليحة بن خويلد الأسدي ببزاخة لئلا يقتلهم. فعاد عدي وأخبر خالداً بالخبر وتأخر وأرسلت طيء إلى إخوانهم عند طليحة فلحقوا بهم فعادت طيء إلى خالد بإسلامهم.

بعد ذلك همَّ خالد بالرحيل إلى جَديلة(47) فاستمهله عدي أيضاً ريثما يكلمهم. فذهب إليهم يدعوهم إلى الإسلام فلم يزل بهم حتى أجابوه، فعاد إلى خالد بإسلامهم ولحق بالمسلمين ألف راكب منهم وكان خير مولود في أرض طيء وأعظمه بركة عليهم لأنه كفاهم شر القتال بدخولهم في الإسلام وأفاد جيش المسلمين وأراحهم من قتالهم وأفادهم بما انضم إليهم منهم، وفي الحقيقة فإن الخدمة التي أداها عدي بن حاتم للطرفين جليلة لا تقدر.

وكان خالد قد أرسل عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم طليعة فلقيهما حِبال أخو طليحة فقتلاه فبلغ خبره [ص 67] طليحة فخرج هو وأخوه سلمة فقتل طليحة عكاشة وقتل أخوه ثابتاً ورجعا. فلما أقبل خالد بجيشه رأوا عكاشة وثابتاً قتيلين فتحرج المسلمون لذلك وقالوا قتل سيدان من سادات المسلمين وفارسان من فرسانهم.

سار خالد بجيشه إلى بزاخة والتقى بجيش طليحة فتقاتلوا قتالاً شديداً وطليحة ملتفف في كسائه يتنبأ لهم. وكان عيينة بن حِصْن(48) يقاتل مع طليحة في 700 من بني فَزَارة قتالاً شديداً.

ولما اشتدت الحرب كر عيينة بن حِصْن على طليحة وقال له: هل جاءك جبريل؟ قال: لا. فرجع فقاتل ثم عاد إلى طليحة فقال له: لا أبالك هل جاءك جبريل؟ قال: لا. فقال عيينة: حتى متى؟ قد واللّه بلغ منا. ثم رجع فقاتل قتالاً شديداً. ثم كر على طليحة. فقال: هل جاءك جبريل؟ فقال: نعم. قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رحى كرحاه، وحديثاً لا تنساه. فقال عيينة: قد علم اللّه أنه سيكون حديث لا تنساه. "انصرفوا يا [ص 68] بني فزارة فإنه كذاب" فانصرفوا، وانهزم الناس.

وكان طليحة قد أعد فرسه وراحلة لامرأته "النَّوَار" فلما غشوه ركب فرسه وحمل امرأته ثم نجا بها وقال:

"يا معشر فزارة من استطاع أن يفعل هكذا وينجو بامرأته فليفعل" ثم انهزم فلحق بالشام ثم نزل على كلب وأسلم حين بلغه أن أسداً وغطفان قد أسلموا، ولم يزل مقيماً في كلب حتى مات أبو بكر وكان قد خرج معتمراً، ومر بجنبات المدينة؛ فقيل لأبي بكر: هذا طليحة. فقال: ماذا أصنع به قد أسلم؟.

ولما أوقع اللّه بطليحة وفزارة ما أوقع أقبل أولئك يقولون: ندخل فيما خرجنا منه ونؤمن باللّه ورسوله ونسلَّم لحكمه في أموالنا وأنفسنا. وقد بايع خالد من خضع وأسلم من القبائل، وهذا نص البيعة:

"عليكم عهد اللّه وميثاقه، لتؤمننَّ باللّه ورسوله، ولتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة وتبايعون على ذلك أبناءكم ونساءكم".

[ص 69] ولم يقبل من أحد من أسد، وغطفان، وطيء، وعامر، إلا أن يأتوه بالذين حرَّقوا ومثَّلوا وعدوا على الإسلام في حال ردتهم فأتوا بهم فمثل بهم وحرقهم ورضخهم بالحجارة ورمى بهم من الجبال ونكسهم في الآبار وأرسل إلى أبي بكر يعلمه ما فعل وأرسل إليه قرة ابن هبيرة ونفراً معه وزهيراً موثقين.

أما أم زِمْل بنت مالك بن حذيفة بن بدر فكانت قد سبيت أيام أمها أم قرفة(49)، فوقعت لعائشة فأعتقتها ورجعت إلى قومها وارتدت، واجتمع إليها الفَلُّ، فأمرتهم بالقتال، وكثف جمعها، وعظمت شوكتها. فلما بلغ خالداً أمرها سار إليها فاقتتلوا قتالاً شديداً أول يوم وهي واقفة على جمل كان لأمها وهي في مثل عزها فاجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها، وقتل حول الجمل مائة رجل، وبعث خالد بالفتح إلى أبي بكر [ص 70].

-------------------

(45) البطاح: ماء في ديار أسد بن خزيمة.

(46) عدي بن حاتم الطائي الذي يضرب بأبيه المثل في الجود، وقد وفد عدي على النبي صلى اللّه عليه وسلم سنة تسع في شعبان فأسلم وكان نصرانياً ووفد على أبي بكر في الردة بصدقات قومه وثبت على الإسلام ولم يرتد وكان جواداً شريفاً في قومه معظماً عندهم وعند غيرهم. حاضر الجواب وكان يفت الخبز للنمل ويقول إنهن جارات ولهن حق. توفي سنة 67 هـ.

(47) بطن من بطون طيء.

(48) عيينة بن حصن يكنى أبا مالك أسلم بعد الفتح. وقيل أسلم قبل الفتح وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الأعراب الجفاة، وارتد. وكان عيينة في الجاهلية من الجرارين يقود عشرة ألاف وتزوج عثمان بن عفان زوجته.

(49) راجع أم قرفة في كتاب محمد رسول اللّه للمؤلف ص 307 و308.

-------------------