شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الثاني › [القصيدة الهمزية] › [مقدمة القصيدة الهمزية] › (صِبَ مَتَى قَفَلَ الْحَجِيْجُ تَصَاعَدَتْ * زَفَرَاتُهُ بِتَنَفُّسِ الْصُّعَدَاءِ)

ابحث في الصفحة

(كَلَمَ الْسُّهَادُ جُفُوْنَهُ فَتَبَادَرَتْ * عَبَرَاتُهُ مَمْزُوْجَةً بِدِمَاءِ)

ص 21

(صب) بالجرّ صفة لموصوف مغرم في البيت قبله ويجوز رفعه أي هو صب ونصبه أي أعني صبا متى ظرف زمان والصب المشتاق وقفل رجع ومنه القافلة لرجوعها ويقال للذاهبة قافلة تفاؤلاً برجوعها والحجيج أي القوم الحاجون وتصاعدت أي رقت إلى الجهة الفوقية شيئاً بعد شيء وزفراته أي أنفاسه التي أخرجها بعد مده إياها وقوله بتنفس الصعداء بيان لكيفية تصاعد زفراته والصعداء على وزن البرحاء النفس الطويل أي تصاعدت أنفاسه عند رجوع الحجيج لكن بالأنفاس الطويلة الممدودة الصاعدة إلى الجهة العالية مفتوحة أبوابها غير مسدودة وقد قات فيما يقارب المراد بعون الله رب العباد

وتنفس الصعداء ليس شكاية * مني لهجرك يا ضياء الناظر

لكن بقلبي من جفاك تألم * فأرى بذلك راحة للخاطر

(والمعنى) هو صب مشتاق موصوف بأنه متى رجع ركب الحج تتابعت أنفاسه صاعدة إلى الجهة العلوية ممتدة التطويل يستدل بنفسها الضعيف على القلب العليل قوله كلم السهاد أي جرح مأخوذ من الكلم يفتح الكاف وسكون اللام بمعنى الجرح والسهاد بضم السين الأرق جفونه جمع جفن وهو غطاء العين من أعلى وأسفل جمعه أجفان وأجفن وجفون وهو يفتح الجيم ويستحسن فيه الكسر وقوله فتبادرت أي أتت عجلة والعبرات جمع عبرة بفتح العين مع سكون الباء في المفرد وفتحه في الجمع وهو الدمعة قبل أن تفيض أو تردَّد البكاء في الصدر أو الحزن بلا بكاء ويقال استعبر أي جرت عبراته والممزوج على صيغة اسم المفعول المخلوط من المزج بمعنى الخلط والدماء بكسر الدال جمع دم بالتخفيف وتشديده لغة قليلة (الإعراب) كلم فعل ماض السهاد فاعله وجفونه مفتوحة منصوبة لسهرها وقوله فتبادرت معطوف على كلم والفاء في فتبادرت إشارة إلى أن تبادر العبرات ممزوجة بالدم مسبب عن كلم السهاد لجفونه إذ لا ريب في أن جرح الجفون يعقبه خروج الدمع مخلوطة بالدم وقد قلت فيما يقرب من ذلك:

رمى فأصمى الحشى مني وما علما * حتى رأى مقلتي القرحي تفيض دما

وقلت أيضاً في مثل ذلك من أبيات خمسة:

وليس عجيباً أن دمعي أحمر * وفي باطني جرح ومن ناظري رشح

وما أحسن ما أشار إليه القاضي أبو بكر ناصح الدين الأرّجاني حيث قال:

دم القلب في عيني وتسخو بمائها * فقل في إناء لا بما فيه راشح

وعبراته مرفوع على أنه فاعل تبادرت وممزوجة بالنصب حال من عبراته وقوله بدماء متعلق بقوله ممزوجة وإنما كتبنا البيتين معاً وتكلمنا عليهما جميعاً لأن كلاً متهما متعلق بوصف الصب لأن جملة كلم السهاد جفونه من وصفه أي هو موصوف بأنه قد جرح سهده الليالي جفونه (ن) كنى بالحج عن قصد الحضرة الإلهية والتوجه القلبي إلى التحقق بالوجود الحق الحقيقي المتجلي بالأعيان الكونية بعد الإحرام والتجرد بالفناء الأصلي عن نسبة الوجود للتقادير العدمية والحجيج هم العارفون بأنفسهم وبربهم على الكمال ورجوعهم هو عودهم إلى ما كانوا فيه من

ص 22

العادات والعبادات في الفرق الثاني بعد الجمع وقوله بتنفس الصعداء تأسف منه وتحسر على تحصيل تلك المقامات العلية والتملي بهاتيك التجليات الربانية وذلك في ابتداء سلوكه في الطريق وظهور يوارق النوفيق اهـ.