شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الثاني › [القصيدة الهمزية] › [مقدمة القصيدة الهمزية] › (عَمْرِي وَلَوْ قُلِبَتْ بِطَاحُ مَسِيْلِهِ * قُلُباً لِقَلْبِي الْرِّيُّ بِالْحَصْبَاءِ)

ابحث في الصفحة

اعلم أن هذا البيت قد اختلف فيه الرواة على أساليب مختلفة وطرق غير مؤتلفة وما ذاك إلا أن ديوان الأستاذ رضي الله عنه لم ينقل من خطه ولا رواه أحد بالسلسلة عن ضبطه وقد أطلت البحث فيما يتعلق بتصحيح لفظه وتحقيق معناه فلم أجد ما يشفي العليل ولا ما يروي الغليل

ص 31

غير أن أقرب ما يقال فيه ما أذكره لك الآن بعون الملك المنان فأقول عمري بفتح العين بمعنى حياتي والمراد القسم بها وهو مبتدأ خبره محذوف وجوباً أي قسمي ولو قلبت بطاح مسيله قلبت مجهول من قلبه إذا حوله عن وجهه والبطاح جمع الأبطح وهو مسيل واسع فيه دقاق الحصا والهاء في مسيله راجعة للحرم المربع (ن) الهاء في مسيله راجع إلى أجياد في البيت قبله اهـ قوله قلباً بضم القاف واللام وبسكون اللام أيضاً جمع قليب وهي البئر أو العادية القديمة منها والري بكسر الراء وبفتحها قال في القاموس روي من الماء كرضي رياً ورياً وروَّى وتروَّى وارتوى بمعنى والاسم الري بالكسر والحصباء الحصى (الإعراب) عمري مبتدأ وخبره محذوف كما سبق لقلبي جار ومجرور خبر مقدم والري مبتدأ مؤخر وبالحصباء متعلق بالري أي يرتوي بالحصباء ولو قلبت بطاح مسيله قلباً والواو في ولو اعتراضية ولو وصلية لا تحتاج إلى جواب لأن المراد منها مجرد التوكيد إذ المراد إدعاء ارتواء قلبه من عطشه بالحصباء الموجودة في ذلك الحرم الشريف لشدة ميله إليه وإلى من فيه من ساكنيه وإن انقلبت بطاح مسيله قلباً وإيضاح ذلك أن البطاح مجاري الماء ومنها يشرب أهل تلك الديار فلو فرض أنها قلبت عن صفة المجرى إلى أن تكون آباراً عادية يتعسر الشرب منها لبعد الوصول إليها فإن قلبي يرتوي بحصباء هاتيك المواضع الشريفة والمواطن المنيفة هذا غاية ما تيسر لي في بيان البيت المذكور وعندي فيه إلى الآن شبهة لم ينثلج معها الصدر وفي البيت المجانسة بين قلبت وقلب وقلبي والجناس الناقص بين عمري وري فتأمل ولعل الله تبارك وتعالى يفتح بعد ذلك باباً يظهر به حقيقة المرام والسلام (ن) ارتواؤه بالحصباء لأن عطشه ليس عطشاً طبيعياً يزول عنه فيرتوي بشرب الماء وإنما عطشه عطش شوق وحب وعشق فيزول برؤية الحصباء وأثر ذلك المسيل اهـ.