شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الثاني › [القصيدة الميمية] › [مقدمة القصيدة الميمية] › (أَرُوْحُ بِقَلْبٍ بِالْصَّبَابَةِ هَائِمٍ * وَأَغْدُو بِطَرْفٍ بِالْكَآبَةِ هَامِي)

ابحث في الصفحة

أروح هنا من الرواح وهو السير بعد الظهر ويقابله أغدو لأنه السير قبل الظهر وهذا البيت عجيب في لفظه ومعناه انظر إلى قوله أروح وقابلها بقوله أغدو وإلى قوله بقلب وقابلها بقوله بطرف وإلى قوله بالصبابة وقابلها بقوله بالكآبة وإلى هائم وقابلها بهامي فإنها توجد فيهما المقابلة الاصطلاحية في البديع التي هي الطباق بذكر الضدّ وذلك في أروح وأغدو وفي القلب والطرف لأنهما ظاهر باطن وأما الصبابة والكآبة ففيهما الموازنة لفظاً ويمكن الحكم بأن فيهما الطباق أيضاً كما في أغدو وأروح وذلك لأنّ الصبابة عبارة عن الشوق أو رقته أو رقة الهوى وأمّا الكآبة فهي الحزن ولا شك أن الشوق أو رقة الهوى يستلزمان النشاط والحزن بخلافه وفيهما السجع أيضاً وهائم قلب هامي من غير ملاحظة الهمزة في هائم باعتبار أن أصلها غير مهموز وجميع الحروف متساوية في العدد أي كل كلمة حروفها مساوية في العدد لحروف الكلمة التي تقابلها فافهم فإن البيت عجيب غريب (فإن قلت) لم قدم الرواح وما يتبعه وأخر الغدو وما يتبعه والحال أنّ الغدوّ مقدم على الرواح (قلت) لوحهين الأول أن الرواح من توابع الليل والليل مقدّم على النهار والثاني وهو المطلوب هنا أن الشيخ لما جعل العشق في الرواح لزم أن يتقدم على الغدوّ الذي جعله زماناً للبكاء لأن العاشق يعشق أولاً ثم يبكي فالبكاء ينشأ عن العشق والمحبة وهامي في آخر البيت من همى الدمع إذا نزل والهائم الحيران فهو يقول مساني قلب حيران بالصبابة وصبحني طرف ساكب بالكآبة وهو على حدّ قول القائل:

صبحها الدمع ومساها الأرق * هل بعد هذين بقاء للحدق