شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الثاني › [القصيدة الميمية] › [مقدمة القصيدة الميمية] › (وَلَمَّا تَلاَقَيْنَا عِشَاءً وَضَمَّنَا * سَوَاءُ سَبِيْلَيْ دَارِهَا وَخِيَامِي)

ابحث في الصفحة

(وَمِلْنَا كَذَا شَيْئاً عَنِ الْحَيِّ حَيْثُ لاَ * رَقِيْبٌ وَلاَ وَاشٍ بِزُوْرِ كَلاَمِ)

(فَرَشْتُ لَهَا خَدِّي وِطَاءً عَلَى الْثَّرَى * فَقَالَتْ لَكَ الْبُشْرَى بِلَثْمِ لِثَامِي)

(فَمَا سَمَحَتْ نَفْسِي بِذَلِكَ غَيْرَةً * عَلَى صَوْنِهَا مِنِّي لِعِزِّ مَرَامِي)

(وَبِتْنَا كَمَا شَاءَ اقْتِرَاحِي عَلَى الْمُنَى * أَرَى الْمُلْكَ مُلْكِي وَالْزَّمَانَ غُلاَمِي)

إنما كتبنا هذه الأبيات جملة لتعلق بعضها ببعض لأن قوله فرشت جواب لما وقوله فما سمحت نفسي معطوف على قوله فقالت لك البشرى قوله وبيتنا كما شاء اقتراحي معطوف على ما قبله أيضاً قوله ولما تلاقينا بروى توافينا والمعنى قريب وعشاء وقت العشاء بكسر العين منصوب على أنه ظرف زمان لتلاقينا وضمنا معطوف على تلاقينا وهو داخل في حيز الشرط أي وجمعنا وسواء بالفتح والمد بمعنى الاستواء وسبيلي على صيغة التثنية وحذف النون منه لإضافته إلى دارها وما عطف عليها وهو خيامي أي وجمعنا طريقان مستقيمان إلى دارها وإلى خيامي وأصله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أي سبيلان سواء وهو في الأصل مصدر فلا يدع في أن يقع على صفة انفراده صفة للمثنى وملنا وأي لما ملنا وقوله كذا كناية عن جهة تخالف جهة الحي وميز بقوله شيئاً أي وملنا عن الحي جهة قليلة كما يفهم من تنكير شيء عن الحي أي ملنا عن الحي إلى مكان لا رقيب فيه ولا واش وبزور كلام متعلق بواش أي كنا في حال اجتماعنا آمنين من رقيب يرانا وواش يزور علينا كلاماً يفسد هوانا قوله فرشت جواب لما أي لما تلاقينا في وقت غفلة واجتمعنا في الطريق الذي يوصل إلى دارها وخيامي وهذا إشارة إلى أن ملاقاتهما كانت على اتفاق من غير اتفاق ومع ذلك عرجنا عن الحي خوفاً من أن نرى إلى مكان ليس فيه رقيب ولا واش يشي بنا ويحكي اجتماعنا فرشت لها خدي وطاء على الثرى أي فرشت لها الخد على الثرى لتطأه فلما رأت مني ذلك الخضوع وتحققت ذلك الذل والخشوع قالت لك البشرى مني بلثم اللثام وتقبيل ما فوق ذلك الثغر البسام فعند ذلك ظهرت غيرة النفس الأبية وعزت السجية التي هي بالوجود سخية على ذلك الصون أن يبتذل بالتبدل لأن قصدي منها هو أعلى من ذلك وأغلى وأسمى من تلاصق الأجسام وأسنى وأين تعاشق الأرواح من تسفل الأشباح قوله وبتنا أي بات الحبيب والمحبوب واستمرّ الطالب والمطلوب كما شاء الطالب

ص 165

من الاقتراح متمكناً من السرور والأفراح على مقتضى مراده وإقبال أيام أعياده

فالملك لله وحده * وللخليفة بعده * وللمحب إذا ما * حبيبه بات عنده

وفي هذه الأبيات أمور مؤكدة لوجود أسباب الوصال واتصال الأرواح من غير انفصال مع العزة عن ميل النفس إلى مرام الأجسام لعزة الروح في ارتفاعها إلى ما لا يرام (الإعراب) تلاقينا أي لقي كل منهما صاحبه وعشاء متعلق به وروي توافينا من الوفاء أي وفي كل منا لصاحبه عشاء أي وقت العشاء وإنما ذكر العشاء لأنه وقت التوافي ومنهل التلاقي فيه صافي ألا ترى إلى قول عبد الله بن المعتز:

لا تلق إلا بليل من تواصله * فالشمس غامة والليل قوّاد

كم عاشق وظلام الليل يستره * واقي الأحبة والواشون رقاد

وقال المتنبي:

وكم لظلام الليل عندي من يد * تخبر أن المانوية تكذب

وسواء بالرفع فاعل ضمنا وسبيلي مضاف إليه ودارها مضاف إليه وخيامي معطوف عليه وكذا كناية عن الجانب وشيئاً تمييز والعامل فيه كذا وعن الحي متعلق بملنا وحيث ظرف لملنا وهو مضاف إلى الجملة بعده ورقيب وواش مبتدأ ومعطوف عليه والخبر محذوف وبزور كلام متعلق بواش وفرشت جواب لما ووطاء بكسر الواو منصوب على أنه مفعول ثان لفرشت وعلى الثرى متعلق بفرشت وقوله فقالت معطوف على فرشت وبلثم لثامي متعلق بالبشرى قوله فما سمحت نفسي معطوف على قوله فقالت والفاء فيها معنى التفريع لأن عدم سماحة نفسه بلثم لثامها مفرّع على قولها لك البشرى بلثم لثامي وغيرة مفعول له فما سمحت على تأويل النفي بمعنى الإثبات أي تركت لئم اللثام لأجل الغيرة وهي بفتح الغين المعجمة عبارة عن إباء النفس عن قبول ما يصدر من امتهان الحبيب أو الصديق القريب وعلى صونها مني متعلق بقوله غيرة وقوله لعز مرامي متعلق بصونها والاقتراح هو طلبك للشيء على غير مثال والمنى بضم الميم جمع منية وهو المطلوب وجملة أرى الملك ملكي والزمان غلامي مفسرة لقوله كما شاء اقتراحي على المنى ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان كونه بات مع الحبيب على مقتضى المرام من غير احتشام لأن سلطنة الوصال فوق من ملك الوصال وفي ميدان الوفاء جال وفي قوله وضمنا تلويح إلى أن طريقي دارها وخيامه بمنزلة البيت الجامع والدار الشامل لجميع الجوامع وقوله وخيامي بعد ذكر دارها إشارة إلى كونه زائراً راحلاً وأن الدار لها وهو لها قاصد بجميع المقاصد (ن) قوله عشاء أي أوّل ظلام الليل كناية عن الملاقاة الكونية بينه وبين تجلي الحضرة الإلهية وقوله دارها كناية عن الروح الأعظم الذي هو أوّل مخلوق صدر عن الأمر الإلهي وهو العقل والقلم الأعلى والنور المحمدي فهو دارها لدورانه حول معرفتها وقوله وخيامي كناية عن جسده المركب من الطبائع الأربع والعناصر الأربعة وقوله وملنا أي ملت بها ومالت متجلية بي وقوله كذا شيئاً كناية عن جهة غير جهة الحي أي ملنا عن الحي قليلاً يشير بهذا الميل القليل عن جهة الحي إلى العالم الكوني بالوجود المستعار لاستيفاء معاني الحكم والأسرار وقوله حيث لا رقيب ولا واش فحيث ظرف مكان وهو العالم

ص 166

الروحاني الذي لا يداخله الوسواس النفساني والتسويل الشيطاني فالرقيب إشارة إلى النفس الأمّارة بالسوء لأنها تلازم الإنسان فلا تنفك عنه إلا بالموت الاختياري أو الاضطراري فتراقبه في الخبر والشرّ والنفع والضرّ والواشي هو القرين الشيطاني الذي يوقع العداوة بينه وبين ربه بحمله على السوء وخطواته من الذنوب الكبار والصغار وقوله فرشت لها خدّي المعنى أنه بعد فنائه عن نفسه وتنحي شيطانه عنه بالتحقق بالوجود الحق رجع من نهايته إلى بدايته فوجد صورته لربه لا له فأسلم كله له تعالى وقوله وطاء على الثرى كناية عن جسده المركب من التراب والماء لأنهما أدنى من الهواء والنار لغلبتهما في خلقة الجان والشيطان وهو المارج كما أن التراب والماء هو الطين الغالب في خلقة الإنسان وإلا فإن تركيب الأجسام كلها من العناصر الأربعة وقوله بلثم لثامي كنى باللثام عن صورته وصورة كل شيء لأن ذلك حجاب على الوجه الإلهي والمعنى أنها أطلقت له القول بالأنانية الحقيقية بعد فناء أنانيته الباطلة الفانية المختصة به وبكل من يشبهه من الأكوان وقوله فما سمحت نفسي بذلك أي امتنعت نفسي عن لثم ذلك اللثام وعن القول بالأنانية الحقيقية بعد فناء أنانيته المذكورة وقوله غيرة على صونها يعني منعني من القرب إليها والصدق في الانتساب لديها يدعوى الأنانية الحقيقية بعد كمال فنائي بالكلية غيرتي على صيانتها المشهورة وتنزهاتها المنشورة بين العقلاء والكاملين الفضلاء وقوله معنى متعلق بصونها ومعنى صونها منه أنه إذا كان في مقام دعوى الوجود معها كحال الجاهلين بها فهي منزهة عن مشابهته بالكلية وإن كان في مقام الفناء في وجودها الحق كحال العارفين بها المتحققين بأمرها فهي منزهة عن مشابهته أيضاً بالكلية يمكنه لثم لثامها فضلاً عن لثم فمها وقوله لعز مرامي أي عزة مقصودي وهو الحظوة بالحقيقة الذاتية من غير كون ولا إمكان ولا مكان ولا زمان ورجوع الأمر إلى ما عليه كان وقوله وبتنا أي أنا والمحبوبة المذكورة وهو الدخول في عالم الكون لأنه ظلمة لازمة وقوله كما شاء اقتراحي على المنى فالذي شاء اقتراحه أمر ذوقي معرفته من وراء دائرة العقل ومضمون ذلك ما أشار إليه بقوله أرى الملك بضم الميم اسم من ملك على الناس أمرهم إذا تولى السلطنة وقوله ملكي أي منسوب إليَّ لأني ظهرت بالمظهر الرباني في التجلي الرحماني بعد فناء شأني الجسماني وأمري الإنساني حيث ظهر الواحد الأحد الذي ليس معه ثاني وقوله والزمان غلامي أي خادمي يخدم ما أريد من الأمور والأحوال في الخصوص والعموم اهـ.

تتمة الجزء الثاني