تفسير الطبريالجزء السادس › سورة المائدة › القول في تأويل قوله تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم}

ابحث في الصفحة

وقال آخرون منهم: بل يد الله صفة من صفاته هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم. قالوا: وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن خصوصية آدم بما خصه به من خلقه إياه بيده. قالوا: ولو كان لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم، إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته ومشيئته في خلقه تعمه وهو لجميعهم مالك. قالوا: وإذا كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقه إياه بيده دون غيره من عباده، كان معلوما أنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى اليد من الله القوة والنعمة أو الملك في هذا الموضع. قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون إن يد الله في قوله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} هي نعمته، لقيل: بل يده مبسوطة، ولم يقل: بل يداه، لأن نعمة الله لا تحصى بكثرة؛ وبذلك جاء التنزيل، يقول الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} قالوا: ولو كانت نعمتين كانتا محصاتين.

قالوا: فإن ظن ظان أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة، فذلك منه خطأ؛ وذلك أن العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه، وذلك كقول الله تعالى ذكره: {والعصر إن الإنسان لفي خسر}، وكقوله: {لقد خلقنا الإنسان}، وقوله: {وكان الكافر على ربه ظهيرا} قال: فلم يرد بالإنسان والكافر في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن الواحد أدى عن جنسه كما تقول العرب: ما أكثر الدرهم في أيدي الناس، وكذلك قوله: {وكان الكافر} معناه: وكان الذين كفروا. قالوا: فأما إذا ثني الاسم، فلا يؤدي عن الجنس، ولا يؤدي إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما. قالوا: وخطأ في كلام العرب أن يقال: ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس! بمعنى: ما أكثر الدراهم في أيديهم. قالوا: وذلك أن الدرهم إذا ثني لا يؤدي في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما. قالوا: وغير محال: ما أكثر الدرهم في أيدي الناس! وما أكثر الدراهم في أيديهم! لأن الواحد يؤدي عن الجميع. قالوا: ففي قول الله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى، ومع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع، ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى اليد في هذا الموضع: النعمة، وصحة قول من قال: إن يد الله هي له صفة.

قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به العلماء وأهل التأويل.

وأما قوله: {ينفق كيف يشاء} يقول: يرزق كيف يشاء.