تفسير الطبريالجزء الرابع › سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى}

ابحث في الصفحة

وأما قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} فإن نصب واحدة، بمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا فيما يلزمكم من العدل ما زاد على الواحدة من النساء عندكم بنكاح فيما أوجبه الله لهن عليكم، فانكحوا واحدة منهن، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالرفع كان جائزا بمعنى: فواحدة كافية، أو فواحدة مجزئة، كما قال جل ثناؤه: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} وإن قال لنا قائل: قد علمت أن الحلال لكم من جميع النساء الحرائر نكاح أربع، فكيف قيل: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} وذلك في العدد تسع؟ قيل: إن تأويل ذلك: فانكحوا ما طاب لكم من النساء، إما مثنى إن أمنتم الجور من أنفسكم فيما يجب لهما عليكم؛ وإما ثلاث إن لم تخافوا ذلك؛ وإما أربع إن أمنتم ذلك فيهن، يدل على صحة ذلك قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} لأن المعنى: فإن خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة، ثم قال: وإن خفتم ألا تعدلوا أيضا في الواحدة، فما ملكت أيمانكم. فإن قال قائل: فإن أمر الله ونهيه على الإيجاب والإلزام حتى تقوم حجة بأن ذلك على التأديب والإرشاد والإعلام، وقد قال تعالى ذكره: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وذلك أمر، فهل من دليل على أنه من الأمر الذي هو على غير وجه الإلزام والإيجاب؟ قيل: نعم، والدليل على ذلك قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} فكان معلوما بذلك أن قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وإن كان مخرجه مخرج الأمر، فإنه بمعنى الدلالة على النهي عن نكاح ما خاف الناكح الجور فيه من عدد النساء، لا بمعنى الأمر بالنكاح. فإن المعني به: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فتحرجتم فيهن، فكذلك فتحرجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه منهن، ما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربع. وقد بينا في غير هذا الموضع بأن العرب تخرج الكلام بلفظ الأمر، ومعناها فيه النهي أو التهديد والوعيد، كما قال جل ثناؤه: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وكما قال: {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} فخرج ذلك مخرج الأمر، والمقصود به التهديد والوعيد، والزجر والنهي، فكذلك قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} بمعنى النهي، فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء.

وعلى النحو الذي قلنا في معنى قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: