الاعتصام، للشاطبيالجزء 2 › المسألة السادسة والعشرون

ابحث في الصفحة

إن ها هنا نظرا لفظيا في الحديث هو من تمام الكلام فيه وذلك أنه لما أخبر أخبر عليه الصلاة والسلام أن جميع الفرق في النار إلا فرقة واحدة وهي الجماعة المفسرة في الحديث الآخر فجاء في الرواية الأخرى السؤال عنها - سؤال التعيين فقالوا من هي يا رسول الله؟ فأصل الجواب أن يقال أنا واصحابى ومن عمل مثل عملنا

أو ما أشبه ذلك مما يعطى تعيين الفرقة إما بالإشارة إليها أو بوصف من أوصافها إلا ذلك لم يقع وإنما وقع في الجواب تعيين الوصف لا تعيين الموصوف فلذلك أتى بما أتى فظاهرها الوقوع على غير العاقل من الأوصاف وغيرها والمراد هنا الأوصاف التي هو عليها صَلَّى اللّه عَلَيْه وسلم واصحابه رضى الله عنهم فلم يطابق السؤال الجواب في اللفظ

والعذر عن هذا أن العرب لا تلتزم ذلك النوع إذا فهم المعنى لأنهم لما سألوا عن تعيين الفرقة الناجية بين لهم الوصف الذى به صارت ناجية فقال " ما أنا عليه وأصحابى " (ص 288) ومما جاء غير مطابق في الظاهر وهو في المعنى مطابق قول الله تعالى ( {قل أونبئكم بخير من ذلكم) ؟ - فإن هذا الكلام معناه هل أخبركم بما هو أفضل من متاع الدنيا؟ فكأنه قيل نعم أخبرنا فقال الله تعالى - (} للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار) الآية

أي للذين اتقوا استقر استقر لهم عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار - الآية

فأعطى مضمون الكلام معنى الجواب على غير لفظه

وهذا التقرير على قول جماعة من المفسرين

وقال تعالى ( {مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار} الآية

فقوله " مثل الجنة " يقتضى المثل لا المملثل - كما قال تعالى ( {مثلهم كمثل الذى استوقد نارا} - ولأنه كلما كان المقصود الممثل جاء به بعينه

ويمكن أن يقال إن النَّبىَّ صَلَّى اللّه عَلَيْه وسلم لما ذكر الفرق أن فيها فرقة ناجية - كان الأولى السؤال عن أعمال الفرقة الناجية لا عن نفس الفرقة

لأن التعريف فيها من حيث هي لا فائدة فيه إلا من جهة أعمالها التي نجت بها

فالمقدم في الاعتبار هو العمل لا العامل فلو سألوا ما وصفها؟ أو ما عملها؟ أو ما اشبه ذلك لكان أشد مطابقة في اللفظ والمعنى فلما فهم عليه الصلاة والسلام منهم ما قصدوا أجابهم على ذلك

ونقول لما تركوا السؤال عما كان الأولى في حقهم أتى به جوابا عن سؤالهم حرصا منه عليه الصلاة والسلام على تعليمهم ما ينبغى لهم تعلمه والسؤال عنه (ص 289) ويمكن أن يقال إن ما سالوا عنه لا يتعين إذ لا تختص النجاة بمن تقدم دون من تأخر إذ كانوا قد اتصفوا بوصف التأخير

ومن شأن هذا السؤال التعيين وعدم انحصارهم بزمان أو مكان لا يقتضى التعيين وانصرف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو وأصحابه

وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم وهو بالنسبة إلى السائل معين لأن أعمالهم كانت للحاضرين معهم راى عين فلم يحتج إلى أكثر من ذلك لأنه غاية التعيين اللائق بمن حضر فاما غيرهم ممن لم يشاهد أحوالهم ولم ينظر أعمالهم فليس مثلهم ولا يخرج الجواب بذلك عن التعيين المقصود

والله أعلم انتهى (ص 290)