تفسير الطبريالجزء 14 › سورة النحل › القول في تأويل قوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى}

ابحث في الصفحة

16386 - حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أشعث السمان، عن الربيع، عن أبي بشر، عن سعيد: {وأنهم مفرطون} قال: مخسئون مبعدون.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الإفراط الذي هو بمعنى التقديم، إنما يقال فيمن قدم مقدما لإصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدمه عليه، وليس بمقدم من قدم إلى النار من أهلها لإصلاح شيء فيها لوارد يرد عليها فيها فيوافقه مصلحا، وإنما تقدم من قدم إليها لعذاب يعجل له. فإذا كان معنى ذلك الإفراط الذي هو تأويل التعجيل ففسد أن يكون له وجه في الصحة، صح المعنى الآخر وهو الإفراط الذي بمعنى التخليف والترك؛ وذلك أن يحكى عن العرب: ما أفرطت ورائي أحدا: أي ما خلفته؛ وما فرطته: أي لم أخلفه.

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المصرين الكوفة والبصرة: {وأنهم مفرطون} بتخفيف الراء وفتحها، على معنى ما لم يسم فاعله من أفرط فهو مفرط. وقد بينت اختلاف قراءة ذلك كذلك في التأويل. وقرأه أبو جعفر القارئ. "وأنهم مفرطون" بكسر الراء وتشديدها، بتأويل: أنهم مفرطون في أداء الواجب الذي كان لله عليهم في الدنيا، من طاعته وحقوقه، مضيعو ذلك، من قول الله تعالى: {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] وقرأ نافع بن أبي نعيم: "وأنهم مفرطون" بكسر الراء وتخفيفها.