الإرادة المجردة فيما يكره المريد والله تعالى يريد وقوع الكفر ولا يحبه ومحبة العبد لله تعالى يلزم عنها ولا بد أن يطيعه ومحبة الله تعالى أمارتها للمتأمل أن يرى العبد مهديا مسددا ذا قبول في الأرض فلطف الله تعالى بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته وبهذا النظر يفسر لفظ المحبة حيث وقعت من كتاب الله عز وجل وقوله تعالى الله اصطفى آدم ونوحا من الآية لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران والرد عليهم وبيان فساد ما هم عليه جاءت هذه الآيات معلمة بصورة الأمر الذي قد ضلوا فيه منبئة عن حقيقته كيف كانت فبدأ تعالى بذكر فضل آدم ومن ذكر بعده ثم خص امرأة عمران بالذكر لأن القصد وصف قصة القوم إلى أن يبين أمر عيسى عليه السلام وكيف كان وانصرف نوح مع عجمته وتعريفه لخفة الاسم كهود ولوط قال الفخر هنا أعلم أن المخلوقات على قسمين مكلف وغير مكلف واتفقوا على أن المكلف افضل من غير المكلف واتفقوا على أن أصناف المكلفين أربعة الملائكة والإنس والجن والشياطين ت تأمله جعل الشياطين قسيما للجن أ ه والآل في اللغة الأهل والقرابة ويقال للأتباع وأهل الطاعة آل والآل في الآية يحتمل الوجهين فإن أريد بالآل القرابة فالتقدير أن الله اصطفى هؤلاء على عالمي زمانهم أو على العالمين جميعا بأن يقدر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ءال ابراهيم وان اريد بالآل الاتباع فيستقيم دخول امة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الآل لأنها على ملة إبراهيم وقوله تعالى ذرية بعضها من بعض أي متشابهين في الدين والحال وعمران هو رجل من بني إسرائيل وامرأة عمران اسمها حنة ومعنى نذرت جعلت لك ما في بطني محررا أي حبيسا على خدمة بيتك محررا من كل خدمة وشغل من أشغال الدنيا والبيت الذي نذرته له هو بيت المقدس فتقبل مني أي أرض عني / صفحة 34 / في ذلك واجعله فعلا مقبولا مجازى به والسميع إشارة إلى دعائها والعليم إشارة إلى نيتها وقوله تعالى وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت الوضع الولادة وقولها رب إني وضعتها انثى لفظ خبر في ضمنه التحسر والتلهف وبين الله ذلك بقوله أعلم بما وضعت وقولها وليس الذكر كالأنثى تريد في امتناع نذرها إذ الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة الرهبان قاله قتادة وغيره وبدأت بذكر الأهم في نفسها وإلا فسياق قصتها يقتضي أن تقول وليس الأنثى كالذكر وفي قولها وإني سميتها مريم سنة تسمية الأطفال قرب الولادة ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم وباقي الآية اعاذة في قال النووي وروينا في سنن أبي داود بإسناد جيد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه / صفحة 35 / قال إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم وفي صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن وفي سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن ابي وهب الجشمي قال قال النبي صلى الله عليه وسلم تسموا بأسماء الأنبياء واحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة أ ه وفي الحديث عن النبي صلى الله لعيه وسلم من رواية أبي هريرة قال كل مولود من بني آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل الصبي إلا ما كان من مريم ابنت عمران وابنها فإن أمها / صفحة 36 / قالت حين وضعتها وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان في الحجاب وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث والمعنى واحد كما ذكرته قال النووي باب ما يقال عند الولادة روينا في كتاب ابن السني عن فاطمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا ولادها أم سلمة وزينب بنت جحش أن تأتياها بن فتقرأ عندها أية الكرسي وأن ربكم الله إلى آخر الآية / صفحة 37 / وتعوذ انها بالمعوذتين انتهى وقوله تعالى ربها بقول حسن إخبار منه سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه رضي مريم لخدمة المسجد كما نذرت أمها وسنى لها الأمل في ذلك وقوله سبحانه نباتا حسنا عبارة عن حسن النشأة في خلقة وخلق ص بقبول مصدر على غير الصدر والجاري على تقبل تقبلا وعلى قبل قبولا ونباتا مصدر منصوب بأنبتها هذه على غير الصدر انتهى وقوله تعالى زكريا معناه ضمها الى انفاقه وحضنه والكافل هو الربى قال السدي وغيره ان زكريا كان زوج أختها ويعضد هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم في يحيى وعيسى ابنا الخالة والذي عليه الناس أن زكريا إنما كفلها بالاستهام لتشاحهم سنة حينئذ فيمن يكفل المحرر وقوله تعالى دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا المحراب المبنى الحسن ومحراب القصر أشرف ما فيه ولذلك قيل لأشرف ما في المصلى وهو موقف الإمام محراب ومعنى رزقا أي طعاما يتغذى به لم يعهده ولا عرف كيف جلب إليها قال مجاهد وغيره كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ونحوه عن ابن عباس إلا انه قال ثمار الجنة وقوله أنى معناه كيف ومن أين وقولها من عند الله دليل على أنه ليس من جلب بشر قال