بسم الله الرحمن الرحيم
هذه السورة مكية بإجماع إلا السجدة منها فقيل مكية وقيل مدنية قوله عز وجل كهيعص إذا قد تقدم الكلام في فواتح السور وقوله ذكر رحمت ربك مرتفع بقوله كهيعص في قول فرقة وقيل أنه ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا ذكر وحكى أبو عمرو الداني عن ابن يعمر أنه قرأ ذكر رحمة ربك بفتح الذال وكسر الكاف المشددة ونصب الرحمة وقوله نادى معناه بالدعاء والرغبة قاله ابن العربي في أحكامه وقوله تعالى إذ نادى ربه نداء خفيا يناسب قوله ادعوا ربكم تضرعا وخفيه وفي الصحيح عن النبي ص أنه قال خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي / صفحة 6 / وذلك لأنه أبعد من الرياء فأما دعاء زكريا عليه السلام فإنما كان خفيا لوجهين أحدهما أنه كان ليلا والثاني أنه ذكر في دعائه أحوالا تفتقر إلى الإخفاء كقوله وإني خفت الموالي من وراءي وهذا مما يكتم انتهى ووهن العظم معناه ضعف واشتعل مستعار للشيب من اشتعال النار وقوله ولم أكن بدعائك رب شقيا شكر لله عز وجل على سالف أياديه عنده معناه قد أحسنت إلي فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالأنعام يقتضي أن يشفع أوله آخره ت وكذا فسر الداودي ولفظه أكن بدعائك رب شقيا يقول كنت تعرفني الإجابة فيما مضى وقاله قتادة انتهى وقوله وإني خفت الموالي الآية قيل معناه خاف أن يرث الموالي ماله والموالي بنو العم والقرابة وقوله من وراءى أي من بعدي وقالت فرقة إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين فطلب وليا يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج وفيه أنه لا يجوز أن يسأل زكريا من يرث ماله إذ الأنبياء لا تورث قال ع وهذا يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين فتكون الوراثة / صفحة 7 / مستعارة وقد بلغه الله أمله قال ابن هشام ومن وراءي متعلق بالموالي أو بمحذوف هو حال من الموالي أو مضاف إليهم أي كائنين من وراءي أو فعل الموالي من وراءي ولا يصح تعلقه بخفت لفساد المعنى انتهى من المغنى وخفت الموالي هي قراءة الجمهور وعليها هو هذا التفسير وقرأ عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس وجماعة خفت بفتح الخاء وفتح الفاء وشدها وكسر التاء والمعنى على هذا قد انقطع أولياءي وماتوا وعلى هذه القراءة فإنما طلب وليا يقوم بالدين قال ابن العربي في أحكامه ولم يخف زكرياء وارث المال وإنما أراد ارث / صفحة 8 / النبوءة وعليها خاف أن تخرج عن عقبه وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة انتهى وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهما يرثني وارث من آل يعقوب ت وقوله فهب لي قال ابن مالك في شرح الكافية اللام هنا هي لام التعدية وقاله ولده في شرح الخلاصة قال ابن هشام والأولى عندي أن يمثل للتعدية بنحو ما أكرم زيدا لعمرو وما أحبه لبكر انتهى وقوله من آل يعقوب يريد يرث منهم الحكمة والعلم والنبوءة ورضيا معناه مرضيا والعاقر من النساء التي لا تلد من غير كبرة وكذلك العاقر من الرجال وقوله لم نجعل له من قبل سميا معناه في اللغة لم نجعل له مشاركا في هذا الاسم أي لم يسم به قبل يحيى وهذا قول ابن عباس وغيره وقال مجاهد وغيره سميا معناه مثيلا ونظيرا وفي هذا بعد لأنه لا / صفحة 9 / يفضل على ابراهيم وموسى عليهما السلام إلا أن يفضل في خاص كالسودد فقال والحصر والعتي والعسيي أي المبالغة في الكبر أو يبس العود أو شيب الرأس أو عقيدة ما وزكرياء هو من ذرية هارون عليهما السلام ومعنى قوله سويا فيما قال الجمهور صحيحا من غير علة ولا خرس وقال ابن عباس ذلك عائد على الليالي أراد كاملات مستويات وقوله فأوحى إليهم قال قتادة وغيره كان ذلك بإشارة وقال مجاهد بل بكتابة في التراب قال ع وكلا الوجهين وحي وقوله أن سبحوا قال قتادة معناه صلوا السبحة والسبحة الصلاة وقالت فرقة بل أمرهم بذكر الله وقول سبحان الله وقوله عز وجل يا يحيى خذ الكتاب بقوة المعنى قال الله له يا يحيى خذ الكتاب وهو التوراة وقوله بقوة أي العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام للوازمه / صفحة 10 / وقوله صبيا يريد شابا لم يبلغ حد الكهولة ففي لفظ صبي على هذا تجوز واستصحاب حال وروى معمر أن الصبيان دعوا يحيى إلى اللعب وهو طفل فقال إني لم أخلق للعب فتلك الحكمة التئ اتاه الله عز وجل وهو صبي وقال ابن عباس من قرأ القرءان قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكمة صبيا والحنان والرحمة والشفقة والمحبة قاله جمهور المفسرين وهو تفسير اللغة ومن الشواهد في الحنان قول النابغة أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا - حنانيك بعض الشراهون من بعض وقال عطاء بن أبي رباح حنانا من لدنا بمعنى تعظيما من لدنا قال ع وهو أيضا ما عظم من الأمر لأجل الله عز وجل ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل في خبر بلال والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حنانا قال ص قال أبو عبيدة وأكثر ما يستعمل مثنى انتهى والزكاة التنمية والتطهير في وجوه الخير قال مجاهد كان طعام يحيى العشب وكان