ابحث في الصفحة

وهكذا كلما بعد الناس عن عصر نزوله ، زادت الحاجة إلى التفسير بمقدار ما زاد من غموض ( 2 ) . . . فهم الصحابة للقرآن الكريم نزل القرآن عربيا على رسول عربي ، وقوم عرب ، ( هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته . . . ) ( الجمعة : 2 ) ، فكانوا أخبر بلغتهم ، وفهموا القرآن حق فهمه ، وقد يشكل عليهم فهم آية منه ، فيرجعون إلى القرآن نفسه ، فقد يجدون فيه توضيحا أو تفصيلا ، وإلا رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفسر لهم ما أشكل عليهم . . . - ( هامش ) - ( 1 ) " التفسير ورجاله " من 10 - 13 . ( 2 ) راجع " التفسير والمفسرون " / للذهبي 1 / 101 - 102 . ( - ) / صفحة 51 / وكان الصحابة يجتهدون في فهم القرآن الكريم مستعينين على ذلك بـ ( 1 ) : 1 - معرفة أوضاع اللغة وأسرارها . 2 - معرفة عادات العرب . 3 - معرفة أحوال اليهود والنصارى في الجزيرة وقت نزول القرآن . 4 - قوة الفهم ، وسعة الادراك . وبدهي أن يتفاوت الصحابة في توافر هذه الادوات عنده . وبالتالي في فهم القرآن الكريم ، فلم يكونوا جميعا في مرتبة واحدة ، ومن هنا كان الاختلاف اليسير بينهم في تفسير القرآن الكريم . ومن ذلك : - ما روى " من الصحابة فرحوا حين نزل قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ( المائدة : 3 ) لظنهم أنها مجرد إخبار وبشرى بكمال الدين ، ولكن عمر بكى وقال : ما بعد الكمال الا النقص ، مستشعرا نعي النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان مصيبا في ذلك ، إذ لم يعش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها إلا واحدا وثمانين يوما ، كما روي " ( 2 ) . - وفيه ما رواه البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ( 3 ) : " كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر . فكأن بعضهم وجد في نفسه ، وقال : لم يدخل هذا معنا ، وإن لنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه من أعلمكم ، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم ، فما رأيت أنه دعاني فيهم إلا ليريهم ، فقال : ما تقولون في قوله تعالى : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) ( النصر : 1 ) ؟ فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره ، إذ نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم ، ولم يقل شيئا ، فقال لي : أكذلك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا ، فقال : ما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له ، قال : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) - ( هامش ) - ( 1 ) راجع " التفسير والمفسرون " 1 / 59 وما بعدها . ( 2 ) " الموافقات " للشاطبي ج 3 / 384 وما بعدها . ( 3 ) " فتح الباري بشرح صحيح البخاري " 8 / 519 ، / باب التفسير ، وكذا " أسد الغابة " . ( - ) / صفحة 52 / ( النصر : 1 ) ، فذلك علامة أجلك ، ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) ( النصر : 3 ) فقال عمر : لا أعلم منها إلا ما تقول " . - وقال ابن عباس ( 1 ) : " كنت لا أدري ما ( فاطر السموات والارض ) ( فاطر : 1 ) ، حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، يقول : أنا ابتدأتها " . أشهر مفسري القرآن من الصحابة عد السيوطي عددا من مفسري القرآن من الصحابة ، ذكر منهم : الخلفاء الاربعة ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبا موسى الاشعري ، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم . أما الخلفاء الثلاثة الاول ، فالرواية عنهم في التفسير قليلة جدا ، وذلك بسبب تقدم وفاتهم ، ولانشغالهم بمهام الخلافة ( 2 ) . 1 - علي بن أبي طالب : وأما علي - كرم الله وجهه - فهو أكثرهم تفسيرا للقرآن ، وذلك لانه لم يشغل بالخلافة ، وإنما كان متفرغا للعلم حتى نهاية عصر عثمان . . . وكثرة مرافقته للرسول صلى الله عليه وسلم ، وسكناه معه ، وزواجه من ابنته فاطمة إلى جانب ما جباه الله من الفطرة السليمة . . . كل ذلك أورثه العلم الغزير ، حتى قالت عائشة رضي الله عنها ( 3 ) : " أما إنه لاعلم الناس بالسنة " في زمن كان الصحابة - رضي الله عنهم - متوافرين . وروى معمر ، عن وهب بن عبد الله ، عن أبي الطفيل قال : " شهدت عليا يخطب ، وهو يقول : سلوني ، فوالله ، لا تسألوني عن شئ إلا أخبرتكم به ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ، ما من آية إلا أنا أعلم : أبليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم في جبل " . وقيل لعطاء : أكان في أصحاب محمد أعلم من علي ؟ - ( هامش ) - ( 1 ) " الاتقان " 2 / 113 . ( 2 ) " الاسرائيليات والموضوعات في التفسير " 84 ، و " التفسير والمفسرون " للذهبي 1 / 64 ، 65 . ( 3 ) " الاستيعاب " 3 / 1104 ، " أسد الغابة " 4 / 29 . ( - ) / صفحة 53 / قال : لا ، والله لا أعلمه . وقال ابن مسعود : " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن ، وإن علي بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن " ( 1 ) .