تفسير الثعالبيمدرسة مكة تلاميذ ابن عباس

ابحث في الصفحة

وكان قوي الحافظة ، واسع الاطلاع في الشعر العربي ، بصيرا بأيام العرب . كان قتادة على مبلغ عظيم من العلم ، فضلا عما اشتهر به من معرفته لتفسير كتاب الله تعالى ، وقد شهد له بذلك كبار التابعين والعلما . قال فيه سعيد بن المسيب : " ما أتاني عراقي أحسن من قتادة " . وقد استخدم قتادة معرفته باللغة العربية ، في التفسير ، وأعمل فكره في تفهم الايات ، بجانب روايته عن السلف . وقد توفي - رضي الله عنه - سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة ، عن ست وخمسين سنة ، على المشهور ، وقيل : سنة خمس عشرة ومائة ( 2 ) . وبعد : فهذه هي مدارس التفسير المشهورة في عصر التابعين ، الذين تلقوا غالب أقوالهم في التفسير عن الصحابة ، وبعضهم استعان بأهل الكتاب ، ثم اجتهدوا مستعينين على ذلك بما بلغوا من العلم ودقة الفهم ، وقرب عهدهمن من الرسول صلى الله عليه وسلم ، والعرب الخلص ، فلم تفسد سليقتهم . وهناك مدارس أخرى غير هذه المدارس الثلاث ، ولكنها لم ترق لشهرة هذه الثلاث ، ومن هذه : مدرسة مصر التي اشتهر من شيوخها : يزيد بن حبيب الازدي ، وأبو الخير مرثد بن عبد الله ، وغيرهما . ومدرسة اليمن التي أرسى دعائمها طاوس بن كيسان ، وكان من أشهر شيوخها : وهب بن منبه الصنعاني . / صفحة 81 / وهكذا بذل هؤلاء التابعون جهدا ضخما في حمل الامانة عن الصحابة ، ثم جاء تابعو التابعين ، ليكملوا المسيرة ، وظلت تتوارث حتى وصلت إلينا ، فجزى الله كل من أسهم في هذا العلم خير الجزاء ، ونفعنا الله بالقرآن وعلومه ! ! قيمة التفسير المأثور عن التابعين تفسير التابعي : إما أن يكون مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابته ، أو لا ، فإن كان مأثورا عن النبي ، يأخذ حكم تفسيره صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إن كان مأثورا عن الصحابة . وإن لم يكن مأثورا عن النبي ولا عن الصحابة ، فقد اختلف العلماء في الرجوع إليه والاخذ بأقوال التابعين فيه . - فقد نقل عن أبي حنيفة أنه قال ( 1 ) : ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن الصحابة تخيرنا ، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال . - ونقلوا عن الامام أحمد روايتين ، إحداهما : بالقبول ، والاخرى : بعدم القبول ( 2 ) . وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يؤخذ بتفسير التابعين ، لانهم لم يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف تفسير الصحابة الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم وشاهدوا القرائن والاحوال . وأكثر المفسسرين على الاخذ بأقوال التابعين ، لانهم تلقوا على أيدي الصحابة ، كما سبق أن ذكرنا . والرأي الذي نرجحه ، ونميل إليه هو ما ذكره ابن تيمية ، قال ( 3 ) : " قال شعبة بن الحجاج وغيره : أقوال التابعين ليست حجة ، فكيف تكون حجحة في التفسير ! ! يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم ، وهذا صحيح أما إذا أجمعوا على الشئ فلا يرتاب في كونه حجة ، فإن اختلفوا ، فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ، ولا على من بعدهم ، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن ، أو السنة ، أو عموم لغة العرب ، أو أقوال الصحابة في ذلك " . / صفحة 82 / سمات التفسير في تلك المرحلة اتسم التفسير في تلك المرحلة بعدة سمات ، من أبرزها ( 1 ) : - أنه اعتمد على التلقي والرواية ، وغلب على التلقي والرواية طابع الاختصاص ، فكان لكل بلد مدرسته وأستاذه ، فمكة : أستاذها ابن عباس ، والمدينة : أستاذها أبي بن كعب ، والعراق : أستاذه ابن مسعود ، وهكذا ، . - دخول أهل الكتاب في الاسلام في تسلل الدخيل إلى علم التفسير ، وقد تساهل التابعون في النقل عنهم - فيما لا يتعلق بالاحكام الشرعية - بدون تحر ونقد ، وأكثر من روي عنه في ذلك من مسلمي أهل الكتاب : عبد الله بن سلام ، وكعب الاحبار ، ووهب بن منبه ، وغيرهم . - كان بدهيا أن يختلف التابعون في التفسير ، نظرا لتعددهم وكثرتهم واختلاف مدارسهم ، التي تخرجوا فيها ، ولكنه خلاف ليس بالكثير إذا ما قيس بالعصور اللاحقة . - كما ظهرت نواة الخلاف لمذهبي ، إذ ظهرت بعض التفسيرات تحمل في طياتها بذورا لتلك المذاهب . التفسير في عصر التدوين تبدأ هذه المرحلة في أواخر العصر الاموي وأوائل العصر العباسي ، إذ انتشر التدوين بصورة واسعة ، وعني العرب " بتدوين كل ما يتصل بدينهم الحنيف ، فقد تأسست في كل بلدة إسلامية مدرسة دينية عنيت بتفسير الذكر الحكيم ، ورواية الحديث النبوي ، وتلقين الناس الفقه وشئون التشريع ، وكان كثير من المتعلمين في هذه المدارس يحرصون على تدوين ما يسمعونه . . . " ( 2 ) .