تفسير الثعالبيتدوين التفسير :

ابحث في الصفحة

ومن مثل قوله تعالى : ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فأنهار به في نار جهنم ) ( التوبة : 109 ) ، حيث أتبع الاية بتحليل بياني وعدها من مجاز التمثيل حين قال : " ومجاز الاية : مجاز التمثيل ، لان ما بنوه على التقوى أثبت أساسا من البناء الذي بنوه على الكفر والنفاق ، فهو على شفا جرف ، وهو ما يجرف من الاودية ، فلا يثبت البناء عليه ( 2 ) . تلك هي الخطوة الاولى خطاها أبو عبيدة في التفسير البياني للقرآن الكريم ، وإن وجهت إليه كثير من النقود والمطاعن من علماء كبار أمثال الفراء والاصمعي والطبري ( 3 ) . . ثم تلت هذه الخطوة خطوات الجاحظ وابن قتيبة وغيرهما . . . / صفحة 91 / المبحث الثالث الكلام على تفسير الثعالبي أولا : المصادر التي استقى منها أبو زيد الثعالبي في " الجواهر الحسان " بادئ ذي بدء أقول : إنه لا يستطيع أحد من الناس أن يزعم أنه يستطع أن يأتي بأفضل مما أتى به أئمة هذه الامة ، فالخلف عيال على السلف ، ولولا أن الله حفظ بهم الدين ، لما كان هذا حال المسلمين ، ولعبدوا الله تعالى بمذاهب باطلة ما أنزل الله بها من سلطان ، فلله درهم ، وعليه شكرهم . ( الطويل ) أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع وليس هذا من باب تحجير الواسع ، أو تضييق رحمة الله ، فلم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على عصر دون عصر ، ولا خص به قوما دون قوم ، بل جعل ذلك مفرقا في الامة ، موجودا لمن التمسه ، وكم ترك الاول للاخر ! ! إلا أن اللاحق - ولا مفر - ينقل عن السابق ، وهكذا دواليك ، سنة الله في الذين خلوا من قبل ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا . من هنا كان للثعالبي أن يعتمد على كلام من سبقوه ، فهم سلفه ، وهو خلفهم ، وهم شيوخه ، وهو تلميذهم ، فمن مكثر عنه ، ومن مقل . ولا شك أن للرحلة التي ارتحلها الثعالبي في طلب العلم أثرا بالغا في تحصيل دواوين أولئك الاعلام ، خاصة كتب المشرقيين منهم ، فجمع حصيلة وافرة عز اقتناؤها ، وأسفارا عظيمة ندر اقتناصها . ولقد تنوعت مصادر الثعالبي ، وتشكلت على اختلاف العلوم التي احتاج إليها المفسر والتفسير ، وهذه قائمة بأهم المصادر في كل علم حدة : أولا : مصادره من كتب التفسير : اعتمد الثعالبي - رحمه الله - على عدة مصادر مهمة في التفسير ، كان أهمها : 1 - تفسير ابن عطية المسمى " المحور الوجيز في تفسير الكتاب العزيز " : وهو الاصل الذي اعتضده المصنف ، فاختصره ، وزاد عليه . ومؤلف " المحرر " هو : / صفحة 92 / عبد الحق بن غالب بن عبد الرحيم . وقيل : عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عبد الرؤوف بن عبد الله بن تمام بن عطية الغرناطي صاحب التفسير الامام أبو محمد الحافظ القاضي . قال ابن الزبير : كان فقيها جليلا عارفا بالاحكام والحديث والتفسير ، نحويا لغويا أديبا بارعا شارعا مفيدا ضابطا نسيبا فاضلا ، من بيت علم وجلالة ، غاية في توقد الذه ، وحسن الفهم ، وجلالة التصرف . روى عن : أبيه الحافظ أبي بكر ، وأبي علي الغساني ، والصفدي ، وعنه : ابن مضار ، وأبو القاسم بن حبيش ، وجماعة . وأولي قضاء " المرية " يتوخى الحق والعدل . وألف تفسير القرآن العظيم ، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها ، وخرج له برنامجا . ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، وتوفي بلورقة في خامس عشر رمضان سنة ثنتين . وقيل : إحدى . وقيل : ست وأربعين وخمسمائة . وذكره في " قلائد العقيان " ، ووصفه بالبراعة في الادب والنظم والنثر . ولقد نوه أبو حيان في مقدمة تفسيره بالزمخشري ، وابن عطية باعتبارهما علمين من أعلام التفسير ، وإمامين من كبار أئمته ، ووصفهما بأنهما أجل من صنف في علم التفسير ، وأفضل من تعرض للتنقى فيه ، والترير ، ثم أثنى أبو حيان في هذه المقدمة كذلك على كتابيهما في التفسير ثناء ، ورفع من شأنهما ، وأشار إلى أنه قام في تفسيره بانتقاد هذين الكتابين والتعقيب عليهما ، وذلك حيث يقول :

" ولما كان كتاباهما في التفسير قد أنجدا وأغارا وأشرقا في سماء هذا العلم بدرين ، وأنارا ، وتنزلا من الكتب التفسيرية منزلة الانسان من العين ، والذهب الابريز من العين ، ويتيمة الدر من اللالي ، وليلة القدر من الليالي ، فعكف الناس شرقا وغربا عليهما ، وثنوا أعنة الاعتناء إليهما ، وكان فيهما على جلالتهما مجال لانتقاد ذوي التبريز ، ومسرح للتخيل فيهما والتمييز ، ثنيت إليهما عنان الانتقاد ، وحللت ما تخيل الناس فيهما من الاعتقاد أنهما في التفسير الغاية التي لا تدارك ، والمسلك الوعر الذي لا يكاد يسلك ، وعرضتهما على محك النظر ، وأوريت فيهما نار الفكر ، حتى خلصت دسيسهما ، وبرز نفيسهما ، وسيرى ذلك من هو للنظر أهل ، واجتمع فيه إنصاف وعقل " . والمقصود ذكر فضصل تفسير ابن عطية ، وبيان أهميته . ولقد نص الثعالبي نفسه في مقدمته على أنه قد اعتمد تفسير ابن عطية ، فقال : " . . . / صفحة 93 / فقد ضمنته ( يعني : تفسيره ) بحمد الله المهم مما اشتمل على تفسير ابن عطية ، وزدته فوائد جمة . . إلخ " .