تفسير الثعالبيتفسير سورة الزمر

ابحث في الصفحة

عصيت ربي عذاب يوم عظيم من المعلوم أنه عليه السلام معصوم من العصيان وانما الخطاب بالآية لأمته يعمهم حكمه ويحفهم عمرو وعيده وقوله فاعبدوا ما شئتم من دونه هذه صيغة أمر على جهة التهديد وهذا في القرآن كثير والظلة ما غشي وعم كالسحابة وسقف البيت ونحوه وقوله سبحانه يخوف الله به عباده يريد جميع العالم

وقوله تعالى اجتنبوا الطاغوت الآية قال ابن زيد أن سبب نزولها زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان الفارسي وابو ذر الغفاري والاشارة إليهم ت سلمان انما اسلم بالمدينة فيلزم على هذا التأويل أن تكون الآية مدنية وقال ابن اسحاق الاشارة بها الى عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والزبير وذلك أنه لما أسلم أبو بكر وسمعوا ذلك فجاءوه فقالوا أسلمت قال نعم وذكرهم بالله سبحانه فآمنوا بأجمعهم فنزلت فيهم هذه الآية وهي على كل حال عامة في الناس الى يوم القيامة يتناولهم حكمها والطاغوت كل ما عبد من دون الله وقوله سبحانه الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه كلام عام في جميع الأقوال والمقصد الثناء على هؤلاء في نفوذ بصائرهم وقوام نظرهم حتى انهم إذا سمعوا قولا ميزوه قبل واتبعوا أحسنه قال أبو حيان الذين يستمعون صفة لعباد وقيل الوقف على عباد والذين مبتدأ خبره أولائك وما بعده انتهى / صفحة 86 / وقوله تعالى أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار قالت فرقة معنى الآية أفمن حقت عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه لكنه زاد الهمزة الثانية توكيدا وأظهر الضمير تشهيرا لهؤلاء القوم واظهارا لخسة منازلهم وقوله تعالى لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف الآية معادلة وتحضيض على التقوى وعادلت يحيى غرف من فوقها غرف ما تقدم من الظلل فوقهم وتحتهم والاحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة ثم وقف تعالى نبيه عليه السلام وامته على معتبر من مخلوقاته فقال ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء الآية قال الطبري الاشارة الى ماء المطر ونبع العيون منه وسلكه معناه أجراه وأدخله في الأرض ويهيج معناه ييبس وهاج الزرع والنبات إذا يبس والحطام اليابس المتفتت ومعنى لذكرى أي للبعث من القبور وأحياء الموتى على قياس هذا المثال المذكور وقوله تعالى أفمن شرح صدره للاسلام الآية روي أن هذه الآية نزلت في علي وحمزة وأبي لهب وابنه وهما اللذان كانا من القاسية قلوبهم وفي الكلام محذوف يدل عليه الظاهر تقديره افمن شرح صدره للاسلام كالقاسي الرحمن القلب المعرض عن أمر الله وشرح الصدر استعارة لتحصيله للنظر الجيد والايمان بالله والنور هداية الله تعالى وهي أشبه شئ بالضوء قال ابن مسعود قلنا يا رسول الله كيف انشراح الصدر قال إذا دخل النور القلب انشرح وانفسخ قلنا يا رسول الله وما علامة ذلك قال الانابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت والقسوة شدة القلب وهي مأخوذة من قسوة الحجر شبه قلب الكافر به في / صفحة 87 / صلابته وقلة انفعاله للوعظ وروى الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فاكثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وان أبعد الناس من الله القلب القاسي قال الترمذي هذا حديث حسن غريب انتهى وقال مالك بن دينار ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلبه قال ابن هشام قوله تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله من هنا مرادفة عن وقيل هي للتعليل أي من أجل ذكر الله لأنه إذا ذكر الله قسن قلوبهم عياذا بالله وقيل هي للابتداء انتهى من المغنى الفخر اعلم أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية وقد يوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية فإذا عرفت هذا فنقول أن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورتبتها هو ذكر الله فإذا اتفق لبعض النفوس ان صار ذكر الله سببا لازدياد مرضها كان مرض تلك النفوس مرضا لا يرجى زواله ولا يتوقع علاجه وكانت في نهاية الشر والرداءة فلهذا المعنى قال تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين وهذا كلام كامل محقق انتهى وقوله تعالى نزل أحسن الحديث يريد القرآن وروي عن ابن عباس أن سبب هذه الآية أن قوما من الصحابة قالوا يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان وأخبرنا بأخبار الدهر فنزلت الآية / صفحة 88 / وقوله متشابها معناه مستويا لا تناقض فيه ولا تدافع بل يشبه بعضبعضا في رصف اللفظ ووثاقة البراهين وشرف المعاني إذ هي اليقين في العقائد في الله وصفاته وأفعاله وشرعه ومثاني وكان معناه موضع تثنية للقصص والأقضية والمواعظ تثنى فيه ولا تمل مع ذلك ولا يعرضها ما يعرض الحديث المعاد وقال ابن عباس ثنى فيه والأمر مرارا ولا ينصرف مثاني لأنه جمع لا نظير له في الواحد وقوله تعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم عبارة عن قف شعر الانسان عندما يداخله خوف ولين قلب عند سماع موعظة أو زجر قرآن ونحوه وهذه علامة وقوع المعنى المخشع روى في قلب السامع وفي الحديث أن أبي بن كعب قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم فرقت القلوب فقال النبي صلى الله عليه وسلم اغتنموا الدعاء عند الرقة فانها رحمة وقال العباس ابن عبد المطلب قال النبي صلى الله عليه وسلم من اقشعر جلده من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما تتحات عن الشجرة اليابسة ورقها وقالت أسماء بنت أبي بكر كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم عند