أغاليط المؤرخين، لأبي اليسر ابن عابدينفي ذكر شيء عن إمارة ابن الزبير رضي الله عنه

Find in page

وحيث ذكرنا تولي ابن الزبير الخلافة زمن بني أمية، لا بأس أن نذكر نبذة عن إمارته إلى أن قتل رضي الله عنه.

ونوصي من يطالع كتابنا هذا أن يكون على جادة الأدب مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجمل أحوالهم على الصلاح والصواب، واجتهادهم على تحري الحق بلا ارتياب، فإنهم مهما أخلصوا العمل لم يخرجوا عن طبيعة البشر الذي يخطئ في اجتهاده ويصيب، لكن لا شك أن الإخلاص وتحري الحق هو قائدهم، لأنه لم يمض على زمن المشرع الأعظم صلى الله عليه وسلم ما يتوقع معه النسيان لذلك العهد النبوي النير، والقواعد المتينة التي سنها وتلقوها عنه صلى الله على جسده وروحه وسلم.

ومن جملتهم ابن الزبير رضي الله عنه، فحكمه حكمهم، إذ هو صحابي أداه اجتهاده إلى ما قام به لمحض حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، لا لملك ولا لعصبية.

[ص 114]

اسمه عبد الله، وأبوه الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق أخت الصديقة عائشة لأبيها. ولد عام الهجرة، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة، وحنكه النبي صلى الله عليه وسلم وسماه باسم جده، وكناه بكنيته، ودعا له وبرك عليه، وهو أحد العبادلة، وأحد الشجعان من الصحابة، وأحد من ولي الخلافة، بويع له سنة 64 أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية، ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام، وكان يكنى أبا بكر ثم كني أبا حبيب بولده. وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: “يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد”. فلما برز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “ولم شربت الدم؟ ويل للناس منك، وويل لك من الناس”.

وعن ابن عباس أنه وصف ابن الزبير فقال: عفيف الإسلام، قارئ القرآن، أبوه حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه بنت الصديق، وجدته صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد.

وبسند صحيح عن مجاهد كان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عمود، وعن ميمون بن مهران رأيت ابن الزبير واصل من الجمعة إلى الجمعة، وشهد ابن الزبير اليرموك مع أبيه الزبير، وشهد فتح أفريقية، وكان البشير بالفتح إلى عثمان وكان الفتح على يده، وشهد الدار وكان يقاتل عن عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة وفيه بضع وأربعون جراحة، ثم اعتزل حروب علي ومعاوية، ثم بايع لمعاوية، ولما مات امتنع عن المبايعة لابنه يزيد، ثم بويع له بالخلافة، فقاتله مروان ثم مات، فقاتله عبد الملك بن مروان.

[ص 115]

والذي بشهد لإخلاصه في جهاده رضي الله عنه شهادة قاطعة أنه لله لا لعصبية ولا لجاه ولا لملك ما نقله الحلبي في سيرته في بحث بناء الكعبة زادها الله شرفاً، أنه لما دخل على أمه وهو محاصر، حاصره الحجاج خمسة أشهر وقيل: سبعة أشهر وسبع عشرة ليلة سنة ثلاث وسبعين قبل قتله بعشرة أيام، وهي شاكية، أي مريضة، فقال لها: كيف تجدينك يا أمه. قالت: ما أجدني إلا شاكية. فقال لها: إن في الموت لراحة. فقلت: لعلك تبقيه لي، ما أحب أن أموت حتى يأتي علي أحد طرفيك إما قتلت وإما ظفرت بعدوك فقرت عيني.

ولما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها في المسجد فقالت: يا بني لا تقبلن منهم خطة تخاف فيها على نفسك الذي تخافه القتل، فوا الله لضربة بالسيف في عز خير من ضربة سوط في ذل. ويقال إنه دخل على أمه فشكا إليها خذلان الناس له وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا فما رأيك. فقالت: يا بني أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه، فقد قتل أصحابك عليه، ولا تمكن من رقبتك تلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، كم خلودك في الدنيا. فدنا منها وقبل رأسها. وقال: والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته. وبعد أن قتل وصلب على الجذع فوق الثنية ومضت ثلاثة أيام، جاءت أمه أسماء رضي الله تعالى عنها تقاد لأن بصرها كان قد كف حتى وقعت عليه فدعت له طويلاً ولم يقطر من عينها دمعة.

وأما عدم صلوحه للخلافة فلِما كان فيه من سرعة الغضب والتهور وعدم الدهاء وعدم التألف، مع أن الناس تغيرت أحوالهم عما كانت عليه

[ص 116]

في زمن النبي وخلفائه الراشدين صلى الله عليه وعليهم أجمعين وكانت سيرته وصلابته بدينه كالخلفاء الراشدين، فلذا لم يستقم له أمر الخلافة حسب تطور الزمان.

وذكر في حياة الحيوان: أنه لما ورد الخبر بموت يزيد بن معاوية سنة أربع وستين إلى الحصين بن نمر السكوني وهو محاصر ابن الزبير في مكة أميراً على الجيش، أرسل إلى ابن الزبير يسأله الموادعة فأجابه إلى ذلك، واختلط العسكران يطوفان بالبيت فبينما الحصين يطوف ذات ليلة بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير، فأخذه الحصين بيده وقال له سراً: هل لك في الخروج معي إلى الشام فأدعو الناس إلى بيعتك فإن أمرهم قد مرج ولا أرى أحداً أحق بهذا اليوم منك ولست أعصى هناك. فاجتذب ابن الزبير يده من يده وقال وهو يجهر بقوله: دون أن أقتل بكل واحد من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام. فقال الحصين: لقد كذب الذي يزعم أنك من دهاة العرب، أكلمك سراً فتكلمني علانية، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني للحرب. ثم انصرف بمن معه إلى الشام.

فانظر إلى هذه الفرصة السانحة التي لو أحسن ابن الزبير إحكامها تم له الملك والخلافة ولقام بأمر الله بما يرضي الإله، فإنه نعم الصحابي هو رضي الله عنه.

وذكر الحلبي في سيرته: أن ابن الزبير قال لعبد الله بن صفوان: إني قد أقلتك بيعتي فاذهب حيث شئت، فقال: إنما أقاتل عن دين. ومما يدل بأن عبد الله بن الزبير كان عنده بعض التسرع ما حكي أنه جاء إليه شخص فقال له: إن الناس على باب عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما يطلبون العلم، وإن الناس على باب أخيه عبيد الله يطلبون الطعام، فأحدهما يفقه الناس والآخر يطعم الناس، فما أبقيا لك مكرمة. فدعا

[ص 117]

شخصاً وقال له: انطلق إلى بني العباس رضي الله عنهم وقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين اخرجا عني وإلا فعلت ما فعلت. فخرجا إلى الطائف.

وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال حين وقع بينه وبين ابن الزبير، أي وأمره أن يخرج إلى الطائف ويهدده لأجل ما تقدم: قلت: أبوه الزبير، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وجده أبو بكر، وجدته صفية، وفي رواية عنه أنه قال: أما أبوه فحواري رسول الله. وأما أمه فذات النطاقين يريد أسماء، وأما خالته فأم المؤمنين يريد عائشة، وأما عمته فزوج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة، وأما عمة النبي صلى الله عليه وسلم فجدته صفية، ثم هو عفيف في الإسلام وقارئ للقرآن اهـ. من السيرة.

فانظر ما بين الكلامين، كلام أمير المؤمنين إن صح عنه، وكلام ابن عباس داهية العرب والإسلام ومن أعطاه الله الفقه والتأويل.

وما كان أجدره أن يكون هو أمير المؤمنين رضي الله عنه، ولكنه ادخر ذلك لعقبه الذين خدموا العرب والإسلام أجل الخدم بما ورثوه من جدهم رضي الله عنهم أجمعين .. وإني على شك من أن يكون الحامل لابن الزبير على ما وقع بينه وبين ابن عباس ما ذكر. وعلى شك من تكليفه لابن عباس الخروج من مكة، فقد ذكر صاحب السيرة أيضاً أن سبب خروج عبد الله بن عباس من مكة قول الله تعالى: {ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}. فقد قال الشيخ محي الدين بن العربي: اعلم أن الله تعالى قد عفا عن جميع الخواطر التي لا تستقر عندنا إلا بمكة، لأن الشرع قد ورد أن الله يؤاخذ من يريد فيه بإلحاد بظلم. وكان سبب سكن عبد الله بن عباس بالطائف احتياطاً لنفسه لأنه ليس في قدرة الإنسان أن يدفع عن قلبه الخواطر اهـ.

وإن روايات المؤرخين حاوية للغث والسمين لا سيما ما خلا منها عن السند وما أضعف إسنادهم.

[ص 118]

[ص 119]