أغاليط المؤرخين، لأبي اليسر ابن عابدينفي الأغاليط التي افتري بها على أعاظم الرجال

Find in page

من ذلك ما رأيته في تاريخ ابن الوردي في وقائع 243 اثنين وأربعين ومائتين، في ذكر ترجمة القاضي يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب، وأن يحيى توفي بتلك السنة، وأنه الذي أرجع المأمون عن القول بخلق القرآن، وأنه كان يتهم بالصبيان، وقد قيل فيه أشعار ذكر منها ما يخجل القلم من تسطيره. وقد تتبعت أصل التاريخ الذي اختصره ابن الوردي وهو تاريخ الملك المؤيد صاحب حماه إسماعيل ابن الملك الأفضل على صاحب حماه المتوفى سنة 732 فوجدته به وقد انتهى تاريخه إلى سنة 709، وذيله ابن الوردي من هذا التاريخ إلى سنة 749، وتوفي ابن الوردي عمر بن محمد بن أبي الفارس الوردي المصري الشافعي سنة 750.

وإني لأعجب من ذكر هذه القصة وهذا الهجاء لمثل ابن أكثم وأن يصدر من مثل الملك المؤيد أبي الفدا ويتابعه عليه الشيخ عمر بن الوردي، وأن

[ص 216]

هذا يعد من القذف المبرم الذي لا يجوز إطلاقه على أحد بنص القرآن العظيم مع ما بينهما من بعد العهد خمسمائة سنة بل أكثر، وأين السند الثابت حتى يتيقن بهذه القصة وهذا الطعن الأليم الذميم؟. ولكنها من بعض أغاليط المؤرخين مع ما كان عليه هذا الإمام العظيم من علو القدر والمقدار لا سيما ما تواتر عنه من سعة الباع وكثرة العلم حينما أراد المأمون توليته القضاء وكان ابن ثمان عشرة سنة، وفي شرح الملتقى للعلائي ما نصه: ومن ألطفها المسألة المأمونية، وسميت بذلك لوقوعها في خلافة المأمون، وهو أبو العباس أو أبو جعفر عبد الله بن الرشيد، فإنه كان كلما أراد أن يولي القضاء لأحد يسأل عنها فلم يجبه عنها أحد حتى وصف له يحيى بن أكثم، فاستحضره الخليفة ليوليه قضاء البصرة، فلما دخل عليه وكان دميم الخلقة فاستحقره فأحس يحيى بن أكثم بذلك فقال: يا أمير المؤمنين سلني، فإن المقصود علمي لا جسمي، وصوتي لا صورتي. وكان من عادة الخلفاء أن يمتحنوا القضاة والعمال والأمراء بالفرائض، فقال: ما تقول في أبوين وابنتين لم تقسم التركة حتى ماتت أحد البنتين وخلفت من في المسألة أو زوجاً ومن في المسألة. فقال: يا أمير المؤمنين هل الميت الأول رجل أو امرأة. فأعجب المأمون من فطنته وقال: إذا عرفت الفرق عرفت الجواب. فكتب له عهده وولاه على البصرة. – فإنه إن كان الميت الأول امرأة يكون الجد فاسداً فلا يرث -. قيل: فاستحقره مشايخ البصرة واستصغروه فامتحنوه فقالوا: كم سن القاضي؟ فقال: سن عتاب بن أسيد حين ولاه النبي صلى الله عليه وسلم مكة فسكتوا اهـ.

وذكر هذه القصة ابن خلكان، ونقل عن الخطيب في تاريخ بغداد أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة أو نحوها فاستصغره أهل البصرة فقالوا: كم سن القاضي؟. فعلم أنه قد استصغر فقال:

[ص 217]

أنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي صلى الله عليه وسلم قاضياً على اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سوار الذي وجه به عمر بن الخطاب قاضياً على أهل البصرة. فجعل جوابه احتجاجاً اهـ.

قلت: وفي حفظي أنه قال: سني سن أسامة بن زيد حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمرة الجيش وفي عسكره أبو بكر وعمر، سني سن معاذ بن جبل الخ … فانظر إلى هذا الجبل في العلم أكان يشغل نفسه بما يفسق به مع أنه عاصراً كثيراً من الأولياء والعلماء وكان في رأسهم ويرجعون إليه. ولو كان هذا في عصرنا عصر الفسوق والضلال لأبينا كل الإباء أن يولى قاض بحكم الشرع في مثل تلك التهم! فكيف بتلك العصور والإسلام غض طري لم يلثم، فلو أقسمت على كذب هذه القصة وأمثالها لكنت باراً ولا أحوج نفسي كثرة التتبع للشواهد الدالة على كذبها وحسبك شاهداً أنه لا سند لها ولا مستند ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وإنني أكتفي بنقل ما ذكره العلامة ابن خلدون في مقدمته أولها قال:

ويناسب هذا أو قريب منه ما ينقلونه عن يحيى بن أكثم قاضي المأمون وصاحبه، وأنه كان يعاقر المأمون الخمر، وأنه سكر ليلة مع شربه فدفن في الريحان حتى أفاق، وينشدون على لسانه:

يا سيدي وأمير الناس كلهم * قد جار في حكمه من كان يسقيني

إني غفلت عن الساقي فصيرني * كما تراني سليب العقل والدين

وحال ابن أكثم والمأمون في ذلك من حال الرشيد وشرابهم، إنما كان النبيذ ولم يكن محظوراً عندهم، وأما السكر فليس من شأنهم، وصحابته للمأمون إنما كانت خلة في الدين، وقد ثبت أنه كان ينام معه في البيت،

[ص 218]

ونقل من فضائل المأمون وحسن عشرته أنه انتبه ذات ليلة عطشان فقام يتحسس ويلتمس الإناء مخافة أن يوقظ يحيى بن أكثم، وثبت أنهما كانا يصليان الصبح جميعاً. فأين هذا من المعاقرة. وأيضاً فإن يحيى بن أكثم كان من علية أهل الحديث. وقد أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل وإسماعيل القاضي وخرَّج عنه الترمذي في كتابه الجامع، وذكر المزي الحافظ أن البخاري روى عنه في تفسير الجامع، فالقدح فيه قدح في جميعهم، وكذلك ما يثيره المجازف بالميل إلى الغلمان بهتاناً على الله وفرية على العلماء ويستندون في ذلك إلى أخبار القصاص الواهية التي هي من افتراء أعدائه فإنه كان محسوداً في كماله وخلته للسلطان وكان مقامه من العلم والدين منزهاً عن مثل ذلك، ولقد ذكر لابن حنبل ما يرميه به الناس فقال: سبحان الله سبحان الله ومن يقول هذا؟. وأنكر ذلك إنكاراً شديداً. – كما أشرنا لذلك فيما سبق – وأثنى عليه إسماعيل القاضي، فقيل له ما كان يقال فيه فقال: معاذ الله أن تزول عدالة مثله بتكذيب باغ وحاسد. وقال أيضاً في يحيى بن أكثم: أبرأ إلى الله من أن يكون فيه شيء مما كان يرمى به من أمر الغلمان، ولقد كنت أقف على سرائره فأجده شديد الخوف من الله لكنه كانت فيه دعابة وحسن خلق. فرمي بما رمي به. وذكره ابن حسان في الثقات وقال: لا تشتغل بما حكي عنه لأن أكثرها لا يصح عنه اهـ.

وقد ذكر سيدي عبد الغني النابلسي في كتابه غاية المطلوب في محبة المحبوب نبذة مختصرة من ترجمة ابن أكثم وأبي نواس قال: والذي ورد عن أبي نواس الحسن بن هانئ ويحيى بن أكثم رضي الله عنهما من محبة الغلمان والقصص الواردة عنهما في ذلك مع عفافهما وجلالة مقدارهما وعلو فضلهما في العلم والهدى ولم يكن ذلك طاعناً في روايتهما للحديث عند الأئمة

[ص 219]

الثقات، فقد ورد أنه روي عن أبي النواس مثل الشافعي وأحمد بن حنبل، وروي عن يحيى بن أكثم مثل الإمام الترمذي في سننه. قال ابن كثير في تاريخه المرتب على السنين: في سنة خمس وتسعين ومائة مات أبو نواس الشاعر المشهور واسمه الحسن بن هانئ، روى الحديث عن أزهر بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الواحد بن زياد ومعتمر بن سليمان ويحيى القطان، وروى عنه محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي وحدث عنه جماعة منهم الشافعي وأحمد بن حنبل والجاحظ وغندر ومشاهير العلماء.

وقال الحافظ الذهبي في الكاشف عن رجال الكتب الستة: يحيى بن أكثم، أبو محمد التميمي المروزي القاضي عن عبد العزيز بن أبي حازم وابن المبارك، وعنه الترمذي والسراج، وكان من بحور العلم لولا دعاية فيه. تكلم فيه، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه تقريب التهذيب: يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي المروزي أبو محمد القاضي المشهور فقيه، إلا أنه رمي بسرعة الحديث ولم يقع ذلك له وإنما يروي الرواية بالإجازة والوجادة من العاشرة. مات في آخر سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومائتين وله ثلاث وثمانون سنة اهـ.

ومعلوم أن الشافعي رحمه الله تعالى توفي بعد وفاة أبي نواس لأنه توفي سنة مائتين وأربع، وأحمد بن حنبل توفي سنة مائتين وإحدى وأربعين اهـ.

قوله: إذا كانوا يطعنون بيحيى بن أكثم أنه يروي بالإجازة والوجادة فما بالك بوجادات زماننا التي جميع مطبوعاتها بالوجادة التي لو اطلع عليها

[ص 220]

الأسلاف لجعلوها مع السفاسف لا سيما الكتب التي تروي الأقاويل الشاذة عن الأئمة المنقرضة مذاهبهم وأتباعهم.

وقد ذكر ابن خلدون من أمثال هذه الحكايات ما نقله ابن عبد ربه صاحب العقد من حديث الزنبيل في سبب أصهار المأمون إلى الحسن بن سهل في بنته بوران، وأنه عثر في بعض الليالي في تطوافه بسكك بغداد على زنبيل مدلى من بعض السطوح بمعانق وجدل مغارة الفتل من الحرير، فاقتعده وتناول المعالق فاهتزت، وذهب به صعداً إلى مجلس شأنه كذا، ووصف من زينة فرشه وتنضيد أبنيته وجمال رؤيته ما يستوقف الطرف ويملك النفس، وأن امرأة برزت له من خلال الستور في ذلك المجلس رائعة الجمال فتانة المحاسن فحيته ودعته إلى المنادمة، فلم يزل يعاقرها الخمر حتى الصباح. ورجع إلى أصحابه بمكانهم من انتظاره وقد شغفته حباً بعثه على الأصهار إلى أبيها.

وأين هذا كله من حال المأمون المعروفة في دينه وعلمه، واقتفائه سنن الخلفاء الراشدين من آبائه، وأخذه بسير الخلفاء الأربعة أركان الملة، ومناظرته للعلماء، وحفظه لحدود الله تعالى في صلواته وأحكامه، فكيف تصح عنه أحوال الفساق المستهترين في التطواف بالليل وطروق المنازل وغشيان السمر سبيل العشاق الأعراب. وأين ذلك من منصب ابنة الحسن بن سهل وشرفها وما كان بدار أبيها من الصون والعفاف. وأمثال هذه الحكايات كثيرة وما يبعث على وضعها والحديث بها إلا هتك قناع المخدرات وعداوة السلطات الحاكمة من أرباب العصبية والنزعات الحزبية، ولو ذكروا غير هذا من أحوالهم وصفات الكمال اللائقة بهم المشهورة عنهم لكان خيراً لهم لو كانوا يعلمون.

ولقد عذلت يوماً بعض الأمراء من أبناء الملوك في كلفه بتعليم الغناء

[ص 221]

وولوعه بالأوتار وقلت له: ليس هذا من شأنك ولا يليق بمنصبك. فقال لي: أفلا ترى ابن إبراهيم بن المهدي كيف كان إمام هذه الصناعة ورئيس المغنين في زمانه، فقلت له: يا سبحان الله وهلا تأسيت بأبيه أو أخيه أو ما رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم من مناصبهم. فصم عن عذلي وأعرض والله يهدي من يشاء.

وكما ينقل من الطعن في حق الخلفاء والملوك ينقل عنهم المدح والثناء، فقد ذكر إسماعيل حقي في تفسيره روح البيان بسورة النساء تحت قوله تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} إلى آخر الآية قال: حكى أن أولاد هارون الرشيد كانوا زهاداً لا يرغبون في الدنيا والسلطة، فلما ولد له ولد قيل له أدخله في بيت من زجاج يعيش فيه من التنعم والترنم والأغاني حتى يليق للسلطنة، ففعل، فلما كبر كان يوماً يأكل اللحم فوقع عظم من يده فانكسر الزجاج فرأى السماء والأرض فسأل عنهما فأجابوا على ما هو، فطلب منهم أن يخرجوه من البيت. فلما خرج رأى ميتاً وجاء إليه وتكلم له فلم يتكلم، فسأل فقالوا: هو ميت لا يتكلم. فقال: وأنا أكون كذلك. قالوا: كل نفس ذائقة الموت. فتركهم وذهب إلى الصحراء، فذهبوا معه فإذا خمسة فوارس جاؤوا إليه ومعهم فرس ليس عليه أحد فأركبوه وأخذوه وتابوا اهـ.

ومن المعروف المشهور أنه كان لهارون ولد زاهد سائح يتعيَّر به وأقاصيصه بلغت مبلغ التواتر فلعله هذا. ثم انظر كيف اتفقت كلمة المؤرخين في قصصهم الحقيقية والخرافية على زهادة أولاد الرشيد، كما نقل عن المأمون وتواتر عنه أنه أراد أن يجعل الخلافة في الأشراف وخلع لبس السواد ولبس الخضرة وجعل علياً الرضا ولي عهده سنة إحدى ومائتين كما ذكره ابن الوردي في تاريخه في حوادث سنة 202 وأنه ثامن

[ص 222]

الأئمة الاثني عشر عند الإمامية وهو ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، حتى خاف على نفسه من بني عمه والقصة في ذلك معروفة ومشهورة.

وأيضاً ما جنح إليه من القول بخلق القرآن هو ومن بعده إلا بما ركز في أذهانهم أنه الحق وأرادوا حمل الناس عليه حتى قنع المتوكل بخطأ الرأي فرجع عنه وانتهت الرواية في عهده.

وما نقل عنه من إباحة المتعة لما بلغه حديث عمر وقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما. ولولا أن قيض الله القاضي يحيى بن أكثم فأقنعه وأرجعه إلى الصواب لكان القول بإباحتها إلى يومنا هذا، والأخبار في جنوحهم إلى ناحية الدين كثيرة شهيرة فلا يطعن بها إلا من طمس على قلبه وبصيرته والله أعلم.

ومن مناقب الرشيد رضي الله عنه ما قيل أنه أمر بحبس رجل اتهم بجناية. ثم سأل عنه فقيل له: هو كثير الصلاة والدعاء وبريء مما اتهم به. فقال للموكل به: اعرض عليه أن يسألني إطلاقه. فقال له الموكل به ذلك فقال: قل لأمير المؤمنين إن كل يوم يمضي في نعمتك ينقص من محنتي، والأمر قريب والموعد الصراط والحكم لله. فخر الرشيد ساجداً وأمر بإطلاقه.

وفي روح البيان بسورة الأعراف تحت قوله تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً}، قال عن عبد الله بن مهران قال: حج الرشيد فخرج الناس وخرج بهلول المجنون فجلس بالكناسة والصبيان يؤذونه إذ أقبلت هوادج هارون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين، فكشف السجاف وقال: لبيك يا بهلول. فقال: يا أمير

[ص 223]

المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد الله العامري قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمضي على جمل وتحته رحل رث فلم يكن ضرب ولا طرد ولا إليك إليك وتواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك. فبكى هارون حتى سقطت الدموع على الأرض وقال: يا بهلول زدنا يرحمك الله. فقال: هب أنك قد ملكت الأرض وقال لك العباد فكان ماذا. أليس غداً مصيرك جوف القبر ويحثو التراب هذا ثم هذا. فبكى هارون ثم قال: أحسنت يا بهلول، هل غيره. قال: نعم يا أمير المؤمنين، رجل أتاه الله مالاً وجمالاً فأنفق في ماله وعفَّ في جماله كتب في خالص ديوان الله من الأبرار. فقال: أحسنت يا بهلول. ثم أمر له بجائزة، فقال: اردد الجائزة إلى من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها. قال: يا بهلول إن يكن عليك دين قضيناه، قال: يا أمير المؤمنين لا يقضى دين بدين اردد الحق إلى أهله واقض دين نفسك من نفسك. قال: يا بهلول فيجري عليك ما يكفيك. فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال: يا أمير المؤمنين أنا وأنت من عيال الله تعالى، فمحال أن يذكرك وينساني، فأسبل هارون السجاف ومضى. قال في روح البيان: والمقصود من هذه الحكاية بيان استماع هارون الحق وقبوله، وذلك لأنه كان بالمكان الزاكي وقلبه حياً بالحياة الطيبة، فلذا لم يخرج منه إلا الأخلاق الحميدة اهـ.

وانظر ما نقله في روح البيان عند تفسير قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} أول سورة آل عمران ما نصه:

روي أن يهودياً قال لهارون الرشيد في مسيره مع عسكره: اتق الله. فلما سمع هارون قول اليهودي نزل عن فرسه، وكذا العسكر نزلوا تعظيماً لاسم الله العظيم.

وما ذلك إلا لتتبعه سيرة الصحابة واقتدائه بهم. فقد ذكر في روح

[ص 224]

البيان بسورة البقرة تحت قوله تعالى: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} ما نصه: قال ابن مسعود رضي الله عنه: من أكبر الذنب عند الله أن يقال للعبد اتق الله فيقول عليك نفسك. وقيل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اتق الله فوضع خده على الأرض تواضعاً لله تعالى اهـ.

فهل يعقل ممن هكذا حالهم، أن يقال في حقهم يعاقرون الخمر ويعملون عمل الفساق، فالطعن في دينهم والطعن في أخلاقهم طعن في الطاعن لجهله بحقيقتهم وارتكابه قذفاً محرماً بدون دليل ولا سند.

نعم إنا لا ننزههم عن الأخطاء في السياسة التي أدت إلى تفريق كلمة المسلمين برمتهم، حيث لم يحسنوا لم شعث المسلمين في أقطار الأرض كلها كبني أمية، فإن ملك بني أمية كان جامعاً لبيضة المسلمين على خليفة واحد في أقطار الأرض كلها، وكلمة العروبة والإسلام في زمنهم اجتاحت العالم كله.

ولم يكن فيهم ابن أمة، إلا ما قيل عن مروان بن محمد الجعدي آخر ملوك بني أمية، وأنها كانت أختاً لجعد، فأخذ القول بخلق القرآن عن جعد، فلقب بالجعدي كما سيأتي في آخر الكتاب، وأما بزمن بني العباس الذي ليس فيهم أحد إلا ابن أمة فإنما هو تفرق وانقسام ودول ودويلات ولعب من اليهود في المقدرات كما ستعرفه فيما يأتي في الكلام على ديصان وأفداح.

وأكبر خطيئة ارتكبها المعتصم إدخال الأعاجم في الجند، وتقويه بهم حتى أدى ذلك إلى ذهاب الملك من العرب، ثم فتنة ابن العلقمي التي انتهت بها الخلافة العربية من بغداد، والله وارث الأرض ومن عليها وإليه المصير.

[ص 225]

ولكن ما يشهده التاريخ وتؤيده الروايات الصحيحة تمسكهم بمعالي الأخلاق وتنزههم عن سفاسفها وعلو كعبهم في الدين والعلم والفنون حتى روي عن أبي جعفر المنصور لما تولي الخلافة أنه قال للإمام مالك رضي الله عنه: لا أعلم بعدي على وجه الأرض أعلم منك، فضع للناس كتاباً وطئه توطئة تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن مسعود. فقال مالك: والله لقد علمني التأليف من يومئذ. ولما فرغ من تأليفه عرض عليه فقال: ألا تحمل الناس عليه فأبى مالك رضي الله عنه.

هذا ما كان عليه ملوك بني العباس من الدين والعلم، وحسبك بالمأمون الذي لولا أهله لأخرج الخلافة من بني العباس لآل البيت رضي الله عنهم مما لم يفعله أحد قبله.

[ص 226]

[ص 227]