اعلم أنه لم تهدأ الفتن عن الإسلام في جميع الأزمان عن الدس في دينهم وتفريق كلمتهم بشتى الأساليب والطرق، ولكن تطورت حسب تطور الزمان. وقد استقرت عقائد الإسلام في كتبهم وتمسكت أرباب المذاهب بفروعهم وأصولهم فلم يكن بوسع المارقين تفريق صفوف المسلمين مرة ثانية بعد ذلك.
حتى لما قام البابية البهائية بإيران من الجماعة الاثني عشرية سنة 1252 هـ وسنة 1820 م، ولما أظهره ميرزا على محمد الشيرازي طردوه من بينهم لما أنه أحيا مذهب اليهودي عبد الله بن سبأ بحلول الإله في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم أعدموه سنة 1850 م بعد أن دام ثلاثين سنة وأسس أتباعاً واختار اسم الباب عنواناً لهم، وخلف اثنين عهد لهما، أحدهما صبح أزل الذي بقي على تعاليم سلفه، والثاني بهاء الدين الذي زاد على تعاليم سلفه بحلول الإله فيه، وكثرت أتباعه حتى صارت النسبة
[ص 242]
إليه، ثم انتهى عهده بهلاكه سنة 1892 م، وخلفه ابنه عباس، ولما لم يجدوا إقبالاً من المسلمين إلا شذاذاً مستترين لا يعرفون أصلاً، وجهوا وجهتهم نحو الغربيين المطلعين على خرافات دينهم والذين ملوا من التعاليم الكنائسية فوجدوا في أمريكا وأوربا أتباعاً كثيرين لهم واتخذوا مركزاً لهم في شيكاغو، ولقد نال هذا المذهب تشجيعاً من الإنكليز لأنه يحاول به هدم الإسلام وتفريق كلمته، ولكنه حل بناديهم وصار أكثر أتباعه من الغرب، لكن مع الأسف عليه طابع الإسلام حيث يظن متبعوه أنهم مسلمون وهم بريئون من الإسلام، كمذهب القاديانية الجديد الذي يعد دعوة إنكليزية هدامة ومفرقة للإسلام، وقد أسسها ميرزا غلام أحمد القادياني المنسوب إلى بلدة قاديان الهندية، ويدعي النبوة بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه هو عيسى المسيح، وأنه المجدد الوحيد، ويجعل من جملة عقيدته إخلاص الولاء للإنكليز، ولكنه لا يكفر أحداً من المسلمين إلا الذين يكذبونه ويكفرونه فيجازيهم بالمثل، وقد هلك أحمد القادياني منشئ هذا المذهب سنة 1908 م. ثم خلفه مولاي نور الدين بالانتخاب من مجلس منتخب من جماعتهم.
ولقد قاومتهم بدمشق المقاومة الفعالة أثناء قيامي بالإفتاء العام، وأغلقت لهم محل نشر دعاياتهم الباطلة، وعندي من كتبهم وآثارهم الكفرية ما لم يطلع عليه غيري وغيرهم، وأفتيت بكفر من يتبعهم ويتبع تعاليمهم كسلفي المرحوم الشيخ محمد الأسطواني وسلفه المرحوم الشيخ عطا الله الكسم المحفوظة فتاواهم بسجلاتها والله أعلم.
فأمثال هذه النزعات والدسائس من المارقين عن الديانة لا تخفى، ولكن الذي يخفى هو الدس على الأقدمين بمؤلفات من أعدائهم الذين يظهرون الولاء فيدسون السم في الدسم.
[ص 243]
ومن ذلك ما رأيته من مؤلفات المدعو جرجي زيدان، فإن أغاليطه التاريخية المشوهة لسمعة السلف الصالح من المسلمين لا تخفى على المطالع، وأن في من ألف للرد عليه غنية عن أن أتتبع هفواته المقصودة أو غير المقصودة، وقد رأيت من واجب كتاب أغاليط المؤرخين أن لا يخلو من التنبيه لمن يطالع كتبه أن يكون على حذر مما حوته من الدس المشين على الأقدمين والسلف الصالح من المسلمين، على أنه لا يشك أن أمثال هذه الكتب ترى تشجيعاً من الغربيين ونقلاً لها للغاتهم لأنها من أبناء العروبة الذين طعنوها بصميمها في إفشاء الأكاذيب والأغاليط التاريخية.
ولقد رأيت في كتاب شمس العلماء للشيخ شبلي النعمان الهندي رداً على بعض مؤلفات جرجي زيدان المذكور، ونشر كثير منه في مجلة المنار المصرية التي كان يصدرها الشيخ رشيد رضا، ولا زال جرجي زيدان في حياته ينشر كتباً مملوءة بالطعن في الإسلام والعروبة. وإنما لم أتعرض لأمثاله الغريبين عن الدين في رد مطاعنهم، لأن المسلم الذي يطالع في كتب الغرباء عن الدين يكفيه دينه أن ينبهه عن دسهم، وحبذا لو كان حرر عن أسلافه النصارى الغساسنة الذين أتوا من اليمن وحكموا بلاد الشام قبل الإسلام وبقيت نصارى هذه البلاد من نسلهم لردته عصبية العروبة عن الطعن بجنسيته. ورحم الله عبد الله بن الزبير لما عانق الأشتر النخعي وسقطا عن جوادهما، وكان اسم الأشتر مالكاً، فقال: اقتلوني واقتلوا مالكاً معي. فهذا أراد أن يطعن بالإسلام ولو طعن بأصله.
أما موسوعة بنت الشاطئ فحسن الظن بها يحملنا أن نقول عن موسوعتها عدم مراعاتها ما في مقدمة هذا الكتاب من شروط التثبت بنقل الأخبار الذي يحمل الإنسان على جمع ما يجد كحاطب ليل، ولا يخرج كتابها عن أنه كتاب تاريخ وأقاصيص يحوي كغيره الغث والسمين والله أعلم.
[ص 244]
وإني لأعجب مما دها العرب أن تحل عصبيتهم الجنسية، وتجمعهم العصبية الصليبية مع أهل الغرب الذين ينتحلون المسيحية كذباً وبهتاناً وهم بعيدون عن تعاليمها كل البعد، حتى برؤوا اليهود من دم المسيح. وما تشويه جرجي زيدان لمآثر فتوحات العرب وتحويرها بمظهر الظلم والاستبداد إلا نزعة من النزعات الاستعمارية السارية في بعض الحكومات المسيحية التي لا تمنح المسلم جنسيتها مما استوفت فيه الشروط القانونية ورجحت. وهذه إيران المسلمة بالرغم من تمسكهم بأهل البيت ومحبتهم لهم يتمسكون بالعصبية الفارسية أكثر من محبتهم أهل البيت، فيقولون الخليج الفارسي، وكل جواره عرب خلص ما عداهم. وقد أقاموا في أيلول هذا العام 1971 م مهرجان المملكة الكسروية لمضي ألفين وخمسمائة سنة عليها، ولو قضوا على هذه العصبية بعصبية دينهم المحمدي لكان خيراً لهم وأبقى.
[ص 245]