وقد ذكر المفسرون والمؤرخون اختلافاً كثيراً وما هو إلا غفلة عن الأدلة التي نسوقها بأنه عربي مسلم صالح من حمير وأذواء اليمن، قديم أقدم من إسكندر الرومي الذي بنى الإسكندرية ونسبت إليه والمسمى بالإسكندر.
ولنقدم بعض كلامهم قبل وصولنا إلى ما استنتجناه من الأدلة، ونستفتح ببعض ما قيل في تفسير قول الله عز وجل في سورة الكهف:
{ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً، فأتبع سبباً، حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوماً، قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً} إلى أن قال تعالى: {ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ مطلع الشمس}.
[ص 288]
وبما أنا لسنا بصدد تفسير الآية، بل بصدد الكلام على هذا الرجل العظيم من الوجهة التاريخية، فصريح الآية أنه مشى تواً بدون رجوع، مما يدل على أنه انتقل من المغرب تواً إلى المشرق حسب كروية الأرض المقتضية لذلك، وهو أقرب من الرجوع واجتياز أمريكا ثم البحر الفاصل بينهما وبين أوربا وهو البحر المحيط الأطلانطيكي، ثم اجتياز أوربا وآسيا والوصول إلى مطلع الشمس، بل انتقل من أمريكا إن لو كانت موجودة وقتئذ إلى الصين باجتياز البحر المحيط الكبير بما آتاه الله من الأسباب.
أما سؤالهم عن ذي القرنين فيشبه أن يكون إجماع المفسرين على أن السؤال من اليهود أو من قريش بتلقين اليهود، ومستند ذلك أثر ذكره ابن كثير في تفسيره عن محمد بن إسحاق في سبب نزول سورة الكهف. وأما تسميته بذي القرنين فذكر الألوسي في تفسيره أحد عشر قولاً تبعاً للإمام فخر الدين الرازي في تفسيره.
وأما كونه عربياً أو فارسياً أو رومياً أو يونانياً، فقال الخازن: قيل اسمه مرزبان بن مردبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح، وقيل: اسمه الإسكندر بن فيلقوس، كذا صح الرومي وكان ولد عجوز لها ولد غيره. وعن الإمام فخر الدين في تفسيره عن أبي الريحان البيروتي المنجم في كتابه المسمى بالآثار الباقية عن القرون الخالية: أنه من حمير واسمه أبو كرب سمي بن عمير بن أفريقيس الحميري وهو الذي افتخر به أحد شعراء حمير حيث يقول:
قد كان ذو القرنين جدي مسلماً * ملكاً علا في الأرض غير مفند
بلغ المغارب والمشارق يبتغي * أسباب ملك من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها * في عين ذي خلب وثأط حرمد
في عين ذي خلب أي حماة، والثأطة أيضاً الحماه، والحرمد الطين الأسود اهـ.
[ص 289]
ورأيت في ترجمة الإمام مالك بن أنس لناشر شرح الموطأ للإمام السيوطي عازياً لكتاب كوثر المعاني، أن نسب الإمام مالك يتصل بذي أصبح الأصبحي الحميري، وأن ذو كذا عند حمير لقب للملك، ويجمع جمع تكسير فيقال لهم الأذواء، وجمع سلامة فيقال لهم الذوين، قال الشاعر:
فلا أعني بذلك أرذليكم ولكني أريد به الذوينا اهـ.
أقول: وما أشبه هذا بما اصطلح عليه الإفرنسيون الأرستقراطيون في إضافتهم، فيقال دي جوفنيل مثلاً، فدي عندهم أداة إضافة وشرف في البيوتات المشهورة عندهم.
وأما كونه فارسياً فقال الفخر الرازي في تفسيره: في سبب تسميته بذي القرنين وجوهاً الثاني: أن الفرس قالوا إن دارا الأكبر كان قد تزوج بابة قيلقوس، فلما قرب منها وجد منها رائحة منكرة فردها على أبيها قيلقوس وكانت قد حملت منه بالإسكندر، فولدت الإسكندر بعد عودها إلى أبيها، فبقي الإسكندر عند قيلقوس وأظهر قيلقوس أنه ابنه وهو في الحقيقة ابن دارا الأكبر، قالوا: والدليل عليه أن الإسكندر لما أدرك دارا ابن دارا وبه رمق وضع رأسه في حجره وقال لدارا: يا أبي أخبرني عمن فعل هذا لأنتقمن لك منه، فهذا ما قاله الفرس، قالوا: وعلى هذا التقدير فالإسكندر أبوه دارا الأكبر وأمه بنت قيلقوس، فهو إنما تولد من أصلين مختلفين الفرس والروم.
وهذا الذي قاله الفرس إنما ذكروه لأنهم أرادوا أن يجعلوه من نسل ملوك العجم وهو في الحقيقة كذب. وإنما قال الإسكندر لدارا يا أبي على سبيل التواضع، وأكرم دارا بهذا الخطاب.
[ص 290]
ثم إن الفخر بعد أن اعتمد أن ذا القرنين هو الإسكندر بن قيلقوس قال: إلا أن فيه إشكالاً قوياً وهو أنه كان تلميذاً لأرسطاطاليس الحكيم وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حق وصدق وذلك مما لا سبيل إليه، والله أعلم.
وذكر ابن كثير في تفسيره قال: وأورد ابن جرير هنا والأموي في مغازيه حديثاً أسنده وهو ضعيف عن عقبة بن عامر: أن نفراً من اليهود جاؤوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاؤوا إليه ابتداء، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شاباً من الروم، وأنه في الإسكندرية، وأنه علا به ملك في السماء وذهب به إلى السد ورأى أقواماً وجوههم مثل وجوه الكلاب.
وفيه طول ونكارة ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوة وذلك غريب منه. وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني وهو ابن فيليبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم.
فأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل عليه السلام أول ما بناه وآمن به واتبعه وكان وزيره الخضر عليه السلام.
وأما الثاني وهو إسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور والله أعلم. وهو الذي تؤرخ به مملكته الروم وقد كان قبل المسيح عليه السلام بنحو من ثلاثمائة سنة، وأما الأول المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل كما ذكره الأزرقي وغيره وأنه طاف مع الخليل عليه السلام بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم عليه السلام وقرب
[ص 291]
إلى الله قرباناً، وقد ذكرنا طرفاً صالحاً في أخباره في كتابنا البداية والنهاية بما فيه كفاية ولله الحمد اهـ. ما من ابن كثير.
ولقد وفق طنطاوي جوهري رحمه الله في تفسيره بتلخيصه سيرة ذي القرنين على غير ما عتاده من إطالة الكلام في كل موضوع فقال: اعلم أن كثيراً من العلماء يقول أنه إسكندر الرومي بن فيليبس وهو تلميذ أرسطاطيس الفيلسوف ويسمى المعلم الأول وهو الذي انتشرت فلسفته في الأمة الإسلامية، وقد كان هذا الملك قبل الميلاد بنحو (330) سنة، وقد تولى الملك بعد أبيه وهو من أهل مقدونية، وحارب أنفرس وتولى على ملك دارا وتزوج ابنته وقتل الرجل الفارسي الذي قتل دارا وجاء ليأخذ الجائزة منه، وأظهر كرماً وشجاعة، والناس اليوم يدرسون رسائل بينه وبين أستاذه في السياسة.
ذلك أنه لما دخل بلاد فارس رأى هناك رجالاً ذوي وجاهة وبهجة وجمال وأبهة من أبناء الملوك والأمراء فأراد قتلهم، فاستشار أستاذه، فأرسل إليه أن لا فضل في قتلهم وأن قتل الرؤساء تتأجج تارة في قلوب الأمة ولا تخمد، وأمره أن ينعم عليهم ويعطى كلاً منهم ملك أبيه، ويوقد بينهم العداوة والبغضاء دائماً ويكون هو الحكم بينهم فيكون محبوباً. فمشى على تلك السياسة. ولما مات قامت بعده ملوك الطوائف التي أسسها. ثم إنه سافر إلى الهند وحارب هناك في البنغال وغيرها. ثم إنه بنى الإسكندرية لما حكم مصر لأن مصر كانت تحت حكم الفرس، فلما غلب الفرس حكم مصر وبنى الإسكندرية المسماة باسمه للآن وعاش ثلاثاً وثلاثين سنة ومات عند رجوعه من الهند قبل أن يصل لبلاده هذا رأي.
وهناك رأي آخر قاله أبو الريحان البيروتي المنجم في كتابه المسمى بالآثار الباقية عن القرون الخالية أنه من حمير واسمه أبو كرب بن أفريقش،
[ص 292]
وأفربقش هذا قد رحل بجيوشه إلى ساحل البحر الأبيض فمنها إلى تونس، فسميت القارة كلها باسمه (أفريقيا الحميري)، وهو الذي افتخر به أحد شعراء حمير حيث يقول:
قد كان ذو القرنين جدي مسلماً …. إلى آخر الأبيات.
هذا ملخص ما قاله العلماء مع ذكر الحقائق الأصلية في التاريخ بدون تخليط اهـ.
وقال الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسيره ما نصه:
التنبيه الثاني في ذي القرنين: اتفق المحققون على أن اسمه الإسكندر بن فيليبس. وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان في الكلام على الفلاسفة: ومن ملوكهم الإسكندر المقدوني وهو ابن فيليبس وليس بالإسكندر ذي القرنين الذي قص الله تعالى نبأه في القرآن، بل بينهما قرون كثيرة وبينهما في الدين أعظم تباين، فذو القرنين كان رجلاً صالحاً موحداً لله تعالى يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكان يغزو عباد الأصنام وبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج.
وأما هذا المقدوني فكان مشركاً يعبد الأصنام هو وأهل مملكته، وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستمائة سنة، والنصارى تؤرخ له، وكان أرسطاطاليس وزيره، وكان مشركاً يعبد الأصنام انتهى كلامه.
قال الشيخ: وفيه نظر – وحاصل نظره: أن المقدوني كان مسلماً مؤمناً بالله تعالى، وكذلك وزيره أرسطاطاليس، إلى أن قال: وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله، فإن الممعن في تراجمهم يرى أنهم على توحيد وإيمان بالمعاد.
[ص 293]
ثم دفع الشيخ استشكال الفخر الرازي بأن الإسكندر وشيخه أرسطاطاليس ليسا على الحق، وهو ينافي ثناء الله على ذي القرنين، ووجه الدفع أنهما كانا مؤمنين، إلى أن قال: وللرازي فرص يغتنم التنويه بالحكماء والتعريف لمذهبهم وهذه منها وأنه صبغها سامحه الله بهذا الأسلوب عرف ذلك من عرف اهـ.
ورحم الله الشيخ جمال الدين باعتراضه على الفخر الرازي الذي لا يصل علمه إلى شعرة من علم الفخر وابن القيم، وليته اقتصر على متابعته للمحقق الألوسي بأن الإسكندر الرومي وشيخه كانا مؤمنين فقط، ولكن أورد المحقق الألوسي إشكالاً أيضاً، هو أن ذا القرنين كان بزمن إبراهيم عليه السلام ونمروذ كان بزمن إبراهيم أيضاً. وقد روي خبر أنه ملك الأرض أربعة: مؤمنان وكافران، أما المؤمنان فذو القرنين وسليمان. وأما الكافران فنمروذ وبختنصر. قال: ولا مخلص من ذلك على تقدير صحة الخبر إلا أن يقال: كان زمان إبراهيم عليه السلام عليه السلام ممتداً ووقع ملكهما الدنيا متعاقباً وهو كما ترى. ورأيت في بعض الكتب بأن ذا القرنين ملك بعد نمروذ وينحل به الإشكال.
وقال بعضهم: الذي تقتضيه كتب التواريخ عدم صحة الخبر أو تأويله، إذ ليس في شيء منها عموم ملك سليمان عليه السلام أو ملك نمروذ أو بختنصر، والظاهر عدم الصحة اهـ. كلام الألوسي.
أقول: والذي حررته في كتابي المسمى إغاثة البررة في الأحاديث المشتهرة عدم صحة الحديث وأنه منقول من قول مجاهد والله أعلم.
أما المدد والأعمار: ففي الخازن: عمر ذي القرنين كان ألفاً وثلاثين سنة، وفي الألوسي: كان ملكه على ما قال ابن قتيبة مائة وسبعة وثلاثين
[ص 294]
سنة، وعلى ما قاله المسعودي: ثلاثاً وخمسين سنة، وعلى ما قاله غيرهما: سبعاً وثمانين سنة اهـ.
وأما الإسكندر الرومي فقيل كان عمره ستاً وثلاثين سنة، وملكه ثلاث عشرة سنة، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، وبينه وبين ذي القرنين وإبراهيم عليه السلام نحو من ألف وسبعمائة سنة، وهذا التباين بالأعمار وجه من وجوه الترجيح بأن ذا القرنين غير الإسكندر الرومي كما لا يخفى، فإن الأعمار المتطاولة كانت من زمن إبراهيم وما قبله إلا نادراً.
وفي ابن كثير: وقال ابن لهيعة: حدثني سالم بن غيلان بن سعيد بن أبي هلال أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول أن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا، فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله تعالى قال: {وآتيناه من كل شيء سبباً}. وهذا الذي أنكره معاوية رضي الله عنه على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إنا لنبلو عليه الكذب، يعني فيما ينقله لا أنه كان يتعمد ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق. ولا حاجة لنا مع خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل على الناس منها شيء كثير وفساد عريض، وتأويل كعب قول الله: {وآتيناه من كل شيء سبباً}، واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك ولا إلى الترقي في أسباب السماوات. وقد قال الله في حق بلقيس: {وأوتيت من كل شيء} أي مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب، أي الطرق والوسائط إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض
[ص 295]
وإذلال أهل الشرك، فقد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله والله أعلم.
وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من طريق قتيبة عن أبي عوانة عن سماك بن حرب عن حبيب بن حماد قال: كنت عند علي رضي الله عنه وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب فقال: سبحان الله سخر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد اهـ. ما من ابن كثير.
ثم ذكر الألوسي عن أبي الريحان البيروتي المنجم في كتابه المذكور ما نقله غيره: أن ذا القرنين هو أبو كرب سمي بن عمير بن أفريقيس، وهو الذي افتخر به تبع اليماني حيث قال: قد كان ذو القرنين جدي مسلماً الخ ….
قال المنجم: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا من اليمن كذي المنار وذي نواس وذي رعين وذي يزن وذي جدن، واختار هذا القول كاتب جلبي، وذكر أنه كان في عصر إبراهيم عليه السلام، وأنه اجتمع معه في مكة المكرمة وتعانقا، وأن شهرة بلوغ ملك الإسكندر اليوناني تلميذ أرسطو الغاية القصوى في كتب التواريخ كما ذكر الإمام دون هذا، إنما هي لقرب زمان اليوناني بالنسبة إليه، فإن بينهما نحو ألفي سنة، وتواريخ هاتيك الأعصار قد أصابها إعصار ولم يبق ما يعول عليه ويرجع في حل المشكلات إليه، وربما يقال عدم شهرة من ذكر تقوي كونه المسؤول عنه، إذ غرض اليهود من السؤال الامتحان، وذلك إنما يحسن فيما خفي أمره ولم يشهر، إذ الشهرة إذا كانت تامة مظنة العلم، وإلى كون ذي القرنين في زمان إبراهيم عليه السلام وطاف معه بالكعبة وكان ثالثهما إسماعيل عليه السلام.
وروي أنه حج ماشياً فلما سمع إبراهيم عليه السلام بقدومه تلقاه ودعا له وأوصاه بوصايا، وقيل: أتي بفرس ليركب فقال: لا أركب في بلد فيه
[ص 296]
الخليل، فعند ذلك سخر له السحاب ومد له في الأسباب وبشره إبراهيم عليه السلام بذلك، فكانت السحابة تحمله وعساكره وجميع آلاتهم إذا أرادوا غزو قوم، وهؤلاء لم يصرحوا بأن ذا القرنين هذا هو الحميري الذي ذكر، لكن مقتضى كلام كاتب جلبي أنه هو وذكر أنه يمكن أن يكون إسكندر لقباً لمن ذكر معرباً عن الكسندر، ومعناه في اللغة اليونانية آدمي جيد، وربما يقال إن من قال اسمه الإسكندر صعب بن عبد الله بن عبيد قينان بن منصور إلى آخر النسب السابق المنتهي إلى قحطان عن هذا الرجل الحميري لا الرومي ولا اليوناني، لكن وهم الناقل لأنه لم يقل أحد بأن الروم من أبناء قحطان وكذا اليونان، إلى أن قال: والمذكور في كتب التواريخ أن ملوك اليمن إلى أن غلبت الحبشة عليها من أبناء قحطان، وأنه لما سمي بذي القرنين لذؤابتين كانتا له، وكان ملكه على ما قال ابن قتيبة مائة وسبعاً وثلاثين سنة، وعلى ما قال المسعودي ثلاثاً وخمسين سنة، وعلى ما قال غيرهما سبعاً وثمانين سنة.
وبعد أن استبعد الألوسي سائر أقوال المؤرخين الواردة بهذا الصدد وأورد عليها احتمالات توهنها، تعرض لحديث: “ملك الدنيا مؤمنان وكافران” كما ذكرنا، ثم قال: وبالجملة لا يكاد يسلم في أمر ذي القرنين شيء من الأقوال عن قيل وقال. وكأني بك بعد الاطلاع على الأقوال وما لها وما عليها تختار أنه الإسكندر بن فيلقوس غالب دارا، وتدعي أنه يقال له اليوناني كما يقال له الرومي، وأنه كان مؤمناً بالله تعالى لم يرتكب مكفراً من عقد أو قول أو فعل، وتقول أن تلمذته على أرسطو لا تمنع من ذلك، وأطال بترجيح قوله إلى أن قال:
وما عليّ إذا ما قلت معتقدي * دع الجهول يظن الجهل عدواناً اهـ. ما من الألوسي.
[ص 297]
ونحن لو سلمنا لما قاله شيخنا الجمال من احتمال إيمان المقدومي اليوناني وكونه تلميذا لأرسطاطاليس وأنه لا يمنع منه، ولكن هذا لا دليل عليه يؤيده، بل نقل المفسرين والمؤرخين على خلافه، وقد سبقه إلى ذلك الألوسي كما وقفت عليه من كلامه، ولكن حيث أن هذه الأخبار والآراء متضاربة والعصور قديمة وليس في الأمر قاطع، وإنما شأن الباحث أن يؤيد ما يترجح عنده من الأقوال.
فالذي أراه أن المذكور في القرآن هو الحميري العربي اليماني، لا الرومي ولا اليوناني ولا الفارسي وذلك لأمور:
1 – إن ذو من خواص أذواء اليمن المشتهرين به في كتب التاريخ كذي الكلاع، وذي أصبح، وذي فايش، وذي شناتر، وذي المنار، وذي نواس، وذي رعين، وذي يزن، وذي جدن، وذي سعد وغيرهم، وما وجد لغيرهم من هذه التسمية فعلى سبيل الندرة التي لم تشتهر، أو من تسمية العرب منهم لسبب من الأسباب كذي الأكتاف الذي سمته به العرب لتوغله بقتلهم، ينزع أكتافهم بدون أن يشتهر بهذا اللقب في ملكه.
2 – ما ذكره المؤرخون أنه اجتمع بإبراهيم عليه السلام وكان ثالثهما إسماعيل، وطاف بالبيت وقرب القرابين ودعا له إبراهيم وسخر له السحاب ومد له في الأسباب، والرومي والمقدومي والفارسي بعيدون عن إبراهيم والبيت وإن كان مجيئهم إليه محتملاً بطريقهم، لكن للعربي مناسبة وأي مناسبة بذلك.
3 – ما ذكر أن الخضر عليه السلام كان وزيره وابن خالته، ومن أين للروم واليونان والفرس نسبة مع العرب وبني إسرائيل وإن كان الاحتمال جائزاً ببعد العهد.
[ص 298]
4 – انتصاراته العظيمة التي لا يمكن أن تكون بغير قوة إلهية من دعاء إبراهيم ووزارة الخضر عليهما السلام، كما كانت انتصارات النبي صلى الله عليه وعلى أصحابه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها بمدة قليلة، فلقد عمَّ الصين والنهد والمغرب وأفريقيا وأوربا ووجدت آثاره التاريخية بأمريكا، في حين أنا لم نسمع بدين ولا مذهب سياسي ولا حزب انتشر انتشار الإسلام في أول ظهوره إلا بعد أحقاب طويلة عليه وبعد تغيير وتبديل يطرأ على أصله ومتبعه.
فلو لم تكن قوة ربانية لما انتشر فتح ذي القرنين ما انتشر، ولم يصل إلى ما وصل، وكان رضي الله عنه عبداً صالحاً، وسمي بذي القرنين لأسباب داعية لتسميته مما ذكروه.
وإنا إذ نؤيد ذلك نكون تابعين لا مبتدعين، فقد أيد هذا القول ابن كثير وكاتب جلبي كما نقله عنه الألوسي، وأيده الأزرقي كما نقله عنه الألوسي أيضاً، وأيده المنجم البيروتي كما نقله عنه أكثر المفسرين، وأيده ابن قتيبة كما نقله عنه الشيخ جمال الدين القاسمي.
5 – تطاول المدد والأعمار التي ذكرت في ذي القرنين الذي كان بزمن إبراهيم مما لا يتأتى مثلها فيمن كان في زمن المسيح وما قبله بقليل.
6 – إنا لا نسلم أن اسمه الإسكندر فإنه ذكر تاريخي لا يستند إلى دليل وفي اسمه اختلاف كثير. والذي أوقع المؤرخين في الخطأ هو قولهم أن اسمه الإسكندر، فقالوا إنه اليوناني الذي كان قبل المسيح بقليل، والذي وحد ممالك الروم وكسر الفرس وتوغل في الفتوحات وبنى الإسكندرية. أما إذا أبعدنا عنه اسم الإسكندر فلا يلتبس بالرومي أصلاً.. فقد ذكر أبو الفداء ملك حماه في تاريخه الشهير في ذكر الطبقة الثانية من
[ص 299]
الفرس. أن الإسكندر بن فيليبس اليوناني باني الإسكندرية وتلميذ أرسطو الذي وحد ممالك الروم واليونان ثم غزا الفرس واستولى عليها وقتل دارا ملكها وفرق ممالكه وكان عمره ستاً وثلاثين سنة وملك ثلاثة عشرة سنة قيل إنه بنى السد على يأجوج ومأجوج. والصحيح أن الإسكندر المذكور لم يكن ذلك بل ذو القرنين الذي ذكره الله في القرآن، وهو ملك قديم كان على زمن الخليل إبراهيم عليه السلام، قيل إنه أفريدون، وقيل غيره. وقد استفاض على ألسنة الناس أن لقب الإسكندر المذكور ذو القرنين، وهو أيضاً غلط، فإن لفظة ذو عربية محضة، وذو القرنين من ألقاب العرب ملوك اليمن، وكان منهم ذو جدن وذو كلاع وذو شناتر وذو القرنين الصعب بن الرائش، واسم الرائش الحارث بن ذي سدد بن عاد الماطاط بن سبأ، وقد قيل إن ذو القرنين الصعب المذكور هو الذي مكَّن الله له في الأرض وعظم ملكه وبنى السد على يأجوج ومأجوج، ومما نقله ابن سعيد المغربي أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن ذي القرنين الذي ذكره الله في كتابه فقال: هو من حمير. وهذا مما يقوي أنه الصعب المذكور اهـ.
وذكر الفخر في تفسيره القول الثاني فمن هو .. قال: قال أبو الريحان الهروي المنجم في كتابه الآثار الباقية من القرون الخالية:
قيل إن ذا القرنين هو أبو كرب شمس بن عبير بن أفريقش الحميري، فإنه بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير حيث قال:
قد كان ذو القرنين جدي مسلماً * ملكاً علا في الأرض غير مفند
بلغ المغارب والمشارق يبتغي * أسباب ملك من كريم سيد
[ص 300]
ثم قال أبو الريحان: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا من اليمن وهم الذين لا تخلو أساميهم من ذي كذا كذي المنار وذي نواس وذي النون وغير ذلك اهـ. كلام الفخر.
وقد رأيت في مجلة الإخاء التي تصدر في طهران في عدد 32 من السنة الثالثة في 1 جمادى الثانية سنة 1382 و 1 تشرين أول سنة 1962 مقالاً للأستاذ محمد جميل بيهم على مقال المرحوم أبي الكلام أزاد في مجلة الإخاء أيضاً أول آب سنة 1962 .. قال صاحب المقال:
كنت كتبت مقالاً نشرته مجلة العرفان في آيار سنة 1955 برهنت فيه على أن السور الصيني الكبير إنما هو سد يأجوج ومأجوج الذي ورد ذكره في القرآن الكريم وحاك حوله القصاصون من المفسرين الخرافات والخزعبلات، ولما أتيح لي الوصول إلى الصين وزرت هذا السور ازددت وثوقاً بما ذهبت إليه في ذلك المقال، خصوصاً وأني رأيت بأم عيني الصدفين أي رأسي الجبل المتقابلين الذي ساوى بينهما ذو القرنين حسبما ورد في القرآن الكريم في سياق الحديث عن سد يأجوج ومأجوج، ورأيت أيضاً زبر الحديد في الأنقاض حيث يقوم عمال الحكومة بالترميم إلى آخر ما ذكروه والله أعلم.
[ص 301]