أغاليط المؤرخين، لأبي اليسر ابن عابدينفي ذكر بعض مآثر بني أمية التي أجمع المؤرخون عليها

Find in page

أولها: قصر مدة ملكهم التي قاربت المدة التي وردت في حديث أحكم وضعه أعداؤهم في تفسير قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر} يملكها بنو أمية.

وما أدري كيف أوجد هذا الكاذب مناسبة لهذه الآية مع ما قبلها وما بعدها وهي: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر}، فبهذه المدة القصيرة استطاع هؤلاء القوم أن يعمموا دين الإسلام والعروبة، ولغة العرب في مشارق الأرض ومغاربها بالفتوحات الدائمة التي لم تزل آثارها باقية حتى الآن ننعم بظلالها.

نعم لقد أحسن وأسس معاوية خلافة الإسلام بالشام، ولم تزل حتى الآن معقل العروبة والإسلام وملجأ للخاص منهم والعام، وكهفاً لمن ضاقت عليه بلاده من كل مكان، تتسع لمن أتاها اتساع الرحم بالولد، تصديقاً لأحاديث خير من ولد وولد صلى الله عليه وسلم.

[ص 168]

معاشر القوم: من أزال معالم الكفر من هذه البلاد غير بني أمية؟. معاوية وقبله أخوه يزيد وابنه يزيد. من دار في خلده أن يجعلها مركز السلطنة ومقر الحكم ومعقل الإسلام غير داهية العرب والإسلام والسياسة؟. معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

من قام بنصرة الإسلام والعروبة في بلاد المغرب غيرهم؟ هذه الدولة العباسية التي اغتصبت الملك منهم أضاعت بلاد العرب وتركتها تتخبط حتى أصلاها الأجانب نيران الحرب والتفرقة، وهذه الدولة التركية التي قامت على أنقاضها، واستعمرت المسلمين استعماراً جعلت كل بلادهم خراباً لقد غفل عنهم الدهر حتى فتحوا الفتوحات، ولكن أين آثارهم العمرانية التي أسسوها؟ لم يتركوا بهذه البلاد المسكينة إلا الخراب، وجعلوا بلاد العرب قاحلة يقتل بعضهم بعضاً وينهبون العمران وآلة للتخريب والدمار، هذه آثارهم وهذا التاريخ شاهد على سوء إدارتهم وإرادتهم حتى بادوا وذهبوا.

لقد صبغ معاوية وبنو أمية سائر فتوحاتهم بصبغة العروبة والإسلام والمدنية، صبغة الله التي لا تزول عنها ولا عن أهلها إلى قيام الساعة إن شاء الله تعالى.

كما حاول الأتراك تحويل هذه الصبغة وقتل أهلها وتشريدهم وقطع العلائق الإسلامية والعربية بحروفهم وكتابتهم، ثم الإفرنسيون بعدهم، فخانتهم الأحلام ورد الله كيد الجميع في نحرهم.

هذه آثار بني أمية في المغرب يفاخر بها حتى الآن، لقد أفرغوا عليها قالب بلاد الشام فسموا حمص وغيرها من أسماء وطنهم، ونبغ منها أئمة وأولياء عظام.

[ص 169]

يا أمة الإنصاف: من حارب العجم والبربر والصين والهند وكاشغر؟ ونشر العروبة والإسلام في كل بني البشر ولم يبال بما في دار ملكه من القيام عليه، مع الخطر الذي يحيكه العباسيون ومن ينتسب لأهل البيت يكيدون الدسائس ويحيكون الأحابيل للإيقاع بالأمويين لاسترداد حقهم المغصوب من الأمويين، والأمويون يشتغلون بالفتوحات الإسلامية غير مبالين بالملك ولا أبهته ولا بالحكم ولا سلطانه، عالمين بما في بلادهم من قرب زوال ملكهم ولكن قصدهم وجه الله واليوم الآخر، لأنهم ملوك ورثوا الملك كابراً عن كابر وسلموه فلم تهمهم المظاهر، نعم كانوا ملوكاً بالعرب قبل الإسلام كما هو منطوق تاريخ الأنام.

وانظر ما يسوء كل منصف مما يلفقه أعداؤهم من القصص التي يلبسونها حلية الأدب من أديب كاذب وبليغ متعصب، كالقصة التي نقلها المبرد في كامله غير مسلم لها حيث قال: وتزعم الرواة أن رجلاً من أهل الكتاب، فنقلها ابن السيد البطليوسي في مقدمة شرح أدب الكاتب بلفظ يشعر بقوتها قال: وروى أبو العباس المبرد في الكامل أن رجلاً من أهل الكتاب ورد على معاوية فقال له معاوية: أتجد نعتي في شيء في كتب الله. فقال: أي والله حتى لو كنت في أمة لوضعت عليك يدي من بينها. قال: فكيف تجدني. قال: أجدك أول من يحول الخلافة ملكاً والخشونة ليناً، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم. قال معاوية: فسرى عني، قال: لا تقبل هذا مني ولكن من نفسك فاختبر هذا الخبر. قال: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون منك رجل شراب للخمر سفاك للدماء يحتجز الأموال ويصطنع الرجال ويجنب الخيول ويبيح حرمة الرسول. قال: ثم ماذا. قال: ثم تكون فتنة تتشعب بأقوام حتى يفضي الأمر بها إلى رجل أعرف نعته يبيع الآخرة الدائمة بحظ من الدنيا مخسوس، فيجمع عليه من آلك وليس منك، لا يزال لعدوه قاهراً وعلى من ناوأه ظاهراً

[ص 170]

ويكون له قرين مبير لعين، قال: أفتعرفه إن رأيته؟ قال: شد ما ناداه فأراه من بالشام من بني أمية. فقال: ما أراه ههنا؟ فوجه به إلى المدينة مع ثقات من رسله فإذا بعبد الملك بن مروان يسعى مؤتزراً في يده طائر، فقال الرسول: ها هو ذا. ثم صاح به: أي أبو من. قال: أبو الوليد، قال: يا أبا الوليد إن بشرتك ببشارة تسرك ما تجعل لي؟ قال: وما مقدارها من السرور حتى نعلم مقدارها من الجعل؟ قال: أن تملك الأرض. قال: ما لي من مال، ولكن أرأيتني إن تكلفت لك جعلاً أنال ذلك قبل وقته؟ قال: لا. قال: فإن حرمتك أتؤخره عن وقته؟ قال: لا. قال: فحسبك ما سمعت.

هكذا روى أبو العباس وغيره في هذا الخبر من آلك وليس منك بإضافة آل إلى الكاف، وأبو العباس من أئمة اللغة بالحفظ والضبط إلى آخر ما قال ابن السيد في الاستدلال على جواز إضافة آل إلى الضمير من هذه القصة المكذوبة، والعجب أن الوضاعين لها يلبسونها هذا اللباس الذي يكون مداراً لإثبات قواعد اللغة مع استغنائهم عنها بغيرها من الأدلة الصحيحة، وليست هذه القصة بأصح مما ورد في قصة الفيل حين قال عبد المطلب:

وانصر على آل الصليـ * ـب وعابديه اليوم آلك

حتى ندع البيت ونستدل بها، وآثار الكذب ظاهرة عليها فإنه لم يرد مثلها عن سيد الأكوان صلى الله عليه وسلم، حتى ولا فيما وضعه الوضاعون في ذم بني أمية أو مدحهم من هذه الصفات الجلية، وما أشبه هذه القصة بكلام كتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة الدينوري كذباً وافتراء، وليتهم ذكروا إسناد هذه القصة وأمثالها حتى نعلم رواتها ورجالها الناقلين مع أن المبرد ساقها بعبارة الزعم خالية عن السند، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[ص 171]

وانظر ما كان يكنه معاوية من حب لعلي وذكر لمآثره العالية وقوفاً مع دينه رضي الله عنهما، يشهد لذلك ما قدمناه من طلب معاوية لضرار أن يصف له علياً وما صدر منه من التسليم والبكاء عليه رضي الله عن الجميع. لكن حمله اجتهاده وما رأى من خشيته تغلب الكفار على بلاد الشام إن هو تركها أن يتمسك بموقفه بشتى الأسباب حتى أورث هذه البلاد التي يسكنها من غالوا بحب علي حتى عبدوه، ولولا معاوية فالله أعلم أين كانت مساكنهم، ووالله إنا لنحبه ونبغض من يبغضه، ولكن نقول ما ضره لو أبقى معاوية في إمارته بحفظ هذه البلاد وبعده يعلم الله من يخلفه، والواقع لا يخلو من حكمة لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد زال ما تم بزمن بني أمية من جمع بيضة الإسلام وانفراد دولتهم وعزهم وملكهم لها مما يكاد يحقق صحة حديث: “ملك الدنيا أربعة مؤمنان وكافران”. حيث أن بني أمية كادوا يملكون الدنيا لولا ظهور العباسيين والأشراف الذين لم يتركوا لهم وقتاً صافياً، ولا زمناً خالياً من النقد والتشويش والتهويش حتى تم على يد العباسيين تفرق الملك بزمنهم ودب الضعف على ملك الإسلام بسببهم. فقد كان القرن العاشر للميلاد زمن التفرق في كل البلاد حيث تفسخت الإمبراطورية الأموية وانقسمت إلى دول ودويلات، ففي الأندلس بقي آثارها وفلولها نحواً من (270) سنة، وفي شمالي أفريقيا الفاطميون بعد الأغالبة والأدارسة ومن الفاطميين الباطنية الذين انقسموا إلى دروز وإسماعيليين، وفي حلب الحمدانيون، وفي مصر الأخشيديون وابن طولون، وفي العراق الديلم، وفي عمان والبحرين واليمامة وديار البصرة القرامطة، وفي بلاد فارس والأهواز البويهيون، وفي خراسان بنو سامان، وفي الهند وأفغانستان آل سبكتكين، وفي طبرستان العلويون، حتى بلغوا من التراخي الخلقي والتفكك القومي أن طلب أبو الفضائل الحمداني الحماية من الإمبراطور البيزنطي والاستعانة به على دولة شقيقه، وما بقي في تلك

[ص 172]

الأزمان من بقية الخلفاء العباسيين فإنما هم ألعوبة بيد هؤلاء الملوك الذين يمنون على الخليفة فيقرونه وإذا استوحشوا منه قتلوه أو خلصوه واستبدلوه بغيره، ولم نر في زمن من أزمان التاريخ فتوحاً جديداً على ما فتحه الأمويون في أزمانهم والحكم لله وحده.

هذه آثارنا تدل علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثار

[ص 173]