أغاليط المؤرخين، لأبي اليسر ابن عابدينفي سبب استئصال العباسيين بني أمية

Find in page

من ذلك ما يتناقله علماء التاريخ أن بني العباس لما قاموا بدعوتهم وظفروا بالملك استأصلوا بني أمية قتلاً وتشريداً، وأنهم ذبحوا تلك المذبحة الشهيرة وهم يتناولون الطعام فوق جثثهم ويتنعمون بسماع حشرجة موتهم وأنينهم. ولنوضح ذلك بأجلى بيان وأصح الوجوه مع بيان أسباب ذلك وما يصح منه.

لا يخفى أن أهم أسباب ذلك الحسد والحقد الكامن في الأعاجم الذين ذهب الملك منهم إلى العرب فاتخذوا آل البيت وسيلة لإيقاع التفرقة بين المسلمين وانتزاع الملك من العرب وإعادته لهم، وشواهد التاريخ على هذا أكثر من أن تحصى، يأتي ذكر بعضها في هذا الفصل على سبيل المناسبة، وليس هذا الكتيب مهيئاً لذكر القصص التاريخية التي ملئت الأسفار والمكاتب بها، بل نشير إلى ما نحتاجه منها بقدر الإيضاح.

[ص 228]

وأن بني أمية لما اغتصبوا الأمر من آل البيت وصار الأمر إليهم، ثم تزل طائفة من المؤمنين يوالونهم ويودون أن تعود الخلافة إليهم. ولكن الحقيقة ما ذكره ابن جرير في تاريخه في حوادث سنة ستين ومائة في ذكر الخبر عن مسيرة الحسين إلى الكوفة وما كان من أمره كما تقدم.

قال: (أبو محنف) عن أبي خباب عن عدي بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمدري قال: أقبلنا حتى انتهينا إلى الصفاح، فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر، فواقف حسيناً فقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب. فقال له الحسين: بين لنا نبأ الناس خلفك. فقال الفرزدق: من الخبير سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. وحين عزم على المسير نصحه ابن عباس كثيراً وكثيراً ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً اهـ.

وبعد قتله في كربلاء في اليوم العاشر من محرم سنة إحدى وستين زاد حنق القلوب على بني أمية ممن قتلوا الحسين بأيديهم قاتلهم الله فقد خذلوه وندموا وبقيت هذه الفكرة سائدة مرة جهاراً وأخرى بالكتمان، وأن بني أمية أوغلوا بالفتوحات ونشروا الدين والعروبة واللغة في سائر آسيا وفي أفريقيا وفي نصف أوربا، فكثر أعداؤهم الأعاجم ومن المجوس وغيرهم، يكيدون لهم الدسائس وهم مشتغلون بما ندبهم له دينهم بعد أن استتب الأمر لهم من نشر تعاليم الإسلام بكل وسيلة، فكان مظهر التشويش عليهم والدعوة للعباسيين أبا مسلم الخراساني وأهل خراسان، ولولاه لما تمت ولما كان العباسيون يحلمون بها ولا يخطر لهم على بال، ولكن الذي ساعدهم هو تمكن النفوس من حب الأشراف ولقرب عهد نكبتهم بالحسين، فكان العباسيون مع الأشراف مثل ابن الزبير مع الحسين حينما كان بالحجاز، فإن ابن الزبير كان له طمع بالخلافة، ولكن مدة وجود الحسين بالحجاز

[ص 229]

لم ينبس ببنت شفة .. بل قال للحسين وهما يتناجيان، والذي سمع منهما أنه قال له: إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك … كما تقدم. وقال له عبد الله بن مطيع: جعلت فداك، أين تريد. قال: أما الآن فإني أريد مكة، وأما بعدها فإني أستخير الله. قال: خار الله لك وجعلنا فداك، فإذا أنت أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤومة، بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، الزم الحرم فإنك سيد العرب لا يعدل بك والله أهل الحجاز أحداً، ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي، فوا الله لئن هلكت لنسترقن بعدك. فأقبل حتى نزل مكة، فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير بها قد لزم الكعبة فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف ويأتي حسيناً فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين ويأتيه بين كل يومين مرة، ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير وقد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه ما دام حسين بالبلد، وأن حسيناً أعظم في أعينهم وأنفسهم وأطوع في الناس، وهكذا كان موقف الأشراف في كل زمن أيام الفتن والانقلابات لا أحد يعدل بهم أحداً، ولكن العجم قلوبهم ملأى من العرب فلم يجد أبو مسلم ستاراً لدعوته من العرب الذين لهم نوع قرابة للشرف إلا العباسيين فقام بالدعوة إليهم، وبعبارة أصرح وأوجز أن أبا مسلم كان هو الخليفة والحاكم المطلق بزمن أبي العباس السفاح وأول حكم أبي جعفر المنصور، غير مدافع ولا أمر لهم تجاه أمره ولا نفوذ لهم تجاه نفوذه كالبرامكة مع الرشيد.

ومن الأدلة على أن القضية عجمية بحتة هو عدم جعل الدعوة لأهل

[ص 230]

البيت الذين هم أرباب الحق المشروع، والذين هم كانوا يقضُّون مضاجع الأمويين ثم العباسيين، ولو صارت الدعوة إليهم لكانت أسهل وأقرب لاستجابة الناس ولم يذهب ما ذهب ضحية ذلك من الأرواح، ولكن علم أبو مسلم ومن دبروا مكيدة رفع الأمويين أنه لو عادت الخلافة للأشراف لا يمكن نزعها منهم وأن نزعها من غيرهم أسهل وأسهل، ولولا مكيدة أبي جعفر المنصور وتمكنه من قتل أبي مسلم لذهب الملك من العرب من مهده كما ذهب من بعده.

ومما ذكره ابن جرير الطبري في بحث الكلام على مقتله أنه قتل في دولته ستمائة ألف صبراً، فما بالك بمن قتله بأسباب أخر أو حرباً، وهذا القتل إنما هو في المسلمين العرب خاصة حتى كان يوصي قواده أن لا يتركوا مسلماً عربياً يتكلم بالعربية لأنهم كلهم جند بني أمية، من أجل هذا قتل من بقي من الأمويين خشية الانتقاض عليه، وهم لا يعدون شيئاً في العدد العديد الذي أريق دمه ظلماً وعدواناً وعصبية حتى فر أحدهم وهو عبد الرحمن الداخل ونجا بروحه وأعاد ملكهم في بلاد الغرب والأندلس وكان هناك خالياً من دسائس الأعاجم، وبقي ملكهم إلى أن قضى عليه الأسبان بمشهد من دولة الظلم والأتراك.

ولو نظرت بمن قام للأخذ بثأر أبي مسلم بعد قتله لتحققت أن المسألة أعجمية بحتة منشؤها الحسد والعصبية، وذلك مثل سنباذ المجوسي وكان من قرية آهن إحدى قرى نيسابور، فأرسل له المنصور جهور العجلي، فلما قتل سنباذ سنة 137 هجرية استقل جهور أيضاً بما معه من الجنود الأعاجم حتى قتل أيضاً.

وباستيلاء العباسيين وقفت الفتوحات الإسلامية والدعوة العربية

[ص 231]

وانقسمت الخلافة بين الشرق والغرب واستبدلت بالدعوة الأعجمية، حتى صار أكثر جند المعتصم من الأعاجم مما اضطر المعتصم أن يبني لهم بلدة خاصة ومعسكراً مستقلاً ليكف أذاهم عن الناس وسماها سر من رأى وحرف إلى سامرا.

ومما ذكره ابن جرير في تاريخه عن مدى نفوذ أبي مسلم الأعجمي في ذكر الخبر عن مقتله، وسببه أنه لما حج أبو مسلم وأبو جعفر مات أبو العباس السفاح، واستخلف بعده أبو جعفر المنصور، فقال يزيد بن أسيد السلمي لأبي جعفر: إني أكره أن تجامعه في الطريق والناس جنده، وهم له أطوع وله أهيب، وليس معك أحد. فأخذ برأيه، فكان يتأخر ويتقدم أبو مسلم، وأمر أبو جعفر أصحابه فقدموا فاجتمعوا جميعاً وجمع سلاحهم فما كان في عسكره إلا ستة أذرع.

ثم نقل ما قاله الحسن بن قحطبة لمسلم بن المغيرة أن يبلغه أبا أيوب: إني قد أرتبت بأبي مسلم منذ قدمت عليه، يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرؤه ثم يلوي شدقه ويرمي بالكتاب إلى أبي نصر فيقرؤه ويضحكان استهزاءاً، ثم لما ظفر أبو مسلم بعسكر عبد الله بن علي، بعث المنصور يقطين بن موسى وأمره أن يحصي ما في المعسكر. فقال أبو مسلم ليقطين: أمين على الدماء خائن في الأموال، وشتم أبا جعفر. فأبلغه يقطين ذلك، وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعاً على الخلاف، وكتب أبو جعفر له كتاباً يستقدمه، فأجابه أنه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدو إلا وأمكنه الله منه، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك حريصون على الوفاء بعهدك، فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك، فإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضناً بنفسي.

[ص 232]

فأجابه المنصور بكتاب آخر، فكتب إليه أبو مسلم: أما بعد فإني اتخذت رجلاً إماماً ودليلاً على ما افترض الله على خلقه، وكان في محلة العلم نازلاً، وفي قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً، فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعاً في قليل قد تعافاه الله إلى خلقه فكان كالذي دلي بغرور، وأمرني أن أجرد السيف وأرفع الرحمة ولا أقبل المعذرة ولا أقيل العثرة، ففعلت توطيداً لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان جهلكم، ثم استنقذني الله بالتوبة، فإن يعف عني فقدماً عرف به، وإن يعاقبني فيما قدمت يداي، وما الله بظلام للعبيد.

وخرج أبو مسلم يريد خراسان مراغماً مشاقاً. ثم إنه ادعى أنه من نسل ابن عباس فكان يقول: إنه ابن سليط بن عبد الله بن عباس، وخطب أمينة بنت علي حتى يستحكم له ما يريد من الدعوة.

فعاقبه أبو جعفر المنصور على هذه الدعوى الكاذبة حين بطش به، وكان أبو مسلم قد قتل في دولته وحروبه ستمائة ألف صبراً كما ذكرنا فما بالك بغير هذا النوع من القتل، مع أن ما ذكر من قتل الحجاج الذي يصفونه بأبشع الأوصاف والصفات لم يبلغ معشار ما قتله أبو مسلم.

وأول من قام بالدعوة هو محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ولما مات عهد لابنه إبراهيم، ولما مات إبراهيم عهد لأخيه أبي العباس السفاح وتمت الدعوة له وتسمى بالخليفة، ثم لما مات عهد لأخيه أبي جعفر الذي اجتهد بذكائه وحيله وأحابيله حتى استقدم أبا مسلم وقتله وألقاه في الدجلة في خبر يطول، والله وارث الأرض ومن عليها وإليه ترجعون. وأن النخوة العربية التي في أبي العباس السفاح غلبت عليه بالعفو عن بني أمية كما ذكره في الأغاني في ذكر قتلهم، حتى جلس مرة في مجلسه على سريره وبنو هاشم

[ص 233]

دونه على الكراسي وبنو أمية على الوسائد قد ثنيت لهم، فدخل عبد ملثم لم يكشف عن وجهه وأنشد شعره الذي ذكر فيه أقبح ما فعله الأمويون في تاريخهم، حتى استثار غضب أبي جعفر المنصور فأوقع بهم، وقيل مدح السفاح بقصيدة فقال لمن حضره منهم أين هذا مما مدحتم به، فقال له: هيهات لا يقول والله أحد فيكم مثل قول ابن قيس الرقيات فينا:

ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا

وأنهم معدن الملوك ولا * تصلح إلا عليهم العرب

فقال له: يا ماص كذا من أمه، فإن الخلافة لفي نفسك خذوهم فأخذوهم.

والحاصل، فإن السياسة تقتضي الكياسة والخياسة فمن تمسك بإحداهما وترك الأخرى فقد ذل، وأهل البيت هم بعيدون عن الثانية، فلذا زلوا عن الخلافة من عهد علي رضي الله عنه فابنه الحسن فالحسين فأحفادهم رضي الله عنهم، حتى أنه لما حضرت الوفاة الحسن رضي الله عنه قال لأخيه: يا أخي إن أباك استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر، ثم استشرف لها وصرفت عنه إلى عمر، ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه فصرفت عنه إلى عثمان، فلما قتل عثمان بويع علي ثم نوزع حتى جرد السيف فما صفت له، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخفك سفهاء الكوفة فأخرجوك. ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء.

والأمويون لما عرفوا الطريق غلب عليهم حب التوسع في الأرض ونشر الدين والعروبة لما لقنوه من شرعية الجهاد بقربهم من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وغفلوا عن غير ذلك حتى كتب عامل مروان الحمار على خراسان يعلمه باستفحال أمر البيعة لإبراهيم وهو أخو عبد الله المكنى أبو

[ص 234]

العباس السفاح بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، فاستحضره مروان وحبسه حتى مات في الحبس، ثم استمر أبو مسلم بخراسان بأخذ البيعة لأبي العباس السفاح بعد موت أخيه بثمانية أشهر، وبنو أمية ساهون حتى كتب إليه ذلك العامل:

أرى تحت الرماد وميض جمر * ويوشك أن يكون لها ضرام

وإن لم يطفها عقلاء قوم * يكون وقودها جثث وهام

فقلت من التعجب ليت شعري * أأيقاظ أمية أم نيام

ثم إن أبا العباس السفاح رحل بأهله من الحميمة التي كانوا يقطنونها قرب الكرك واستوطن الكوفة والمبايعة آخذة له بها بتلك المدة، وبنو أمية ساهون لاهون إلى أن قضى الله أمراً كان مفعولاً.

وانظر في ذلك تاريخ الخلفاء لعلي بن أنجب المعروف بالساعي.

[ص 235]