من ذلك ما ينقل أن الحسن أو الحسين دخل على معاوية في مرض موته، وأن معاوية أسند نفسه وجلس ثم أنشد بيتاً من قصيدة أبي ذؤئب الهذلي التي يرثي بها أولاده الخمس الذين هلكوا في عام واحد بطاعون أصابهم وهم مهاجرون لمصر، ثم هلك أبوهم بطريق مصر، وقيل بطريق أفريقية مع عبد الله بن الزبير والبيت هو:
وتجلدي للشامتين أريهم * أني لريب الدهر لا أتضعضع
وأن الحسين أجابه بالبيت الآخر منها وهو:
وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع!
وآثار الكذب ظاهرة على هذه القصة، فالله تعالى يجازي من يضع هذه القصص بأسوأ عمله. أما أولاً فلأن الحسن توفي قبل معاوية قطعاً. وأما ثانياً فلأن الحسين لم يكن حين وفاة معاوية بالشام. فما هذه الفرية؟.
[ص 200]
قال ابن خلكان في ترجمة يحيى بن أكثم القاضي ما نصه: والحسين لم يحضر وفاة معاوية لأنه كان بالحجاز، ومعاوية توفي بدمشق، ثم وجدت في أول كتاب التعازي تأليف أبي العباس المبرد هذه القصة جرت للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه اهـ. وعلمت الطعن الذي يلحقها.
ثم ذكر قصة مكذوبة أخرى وكلها - بغير سند – أن عقيلاً لما مات أخوه سيدنا علي سار معاوية يسمعه ما يكره، وأنه دخل عليه يوماً فقال معاوية لأهل الشام: أتعرفون أبا لهب الذي أنزل الله في حقه قوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب} من هو؟. فقال أهل الشام: لا، فقال معاوية: هو عم هذا. وأشار إلى عقيل.
فقال عقيل في الحال: أتعرفون امرأته التي قال الله في حقها: {وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد} من هي؟. فقالوا: لا، فقال: هي عمة هذا. وأشار إلى معاوية، وكانت عمته أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف زوجة أبي لهب بن عبد العزى اهـ. – ولكن أبا لهب هو ابن عبد المطلب واسمه عبد العزى -.
أما ظاهر كذبها فلعدم السند فهي موضوعة، وأما ثانياً فمعاوية أدهى من أن يخزي نفسه أمام أهل الشام مع معرفته أجوبة أهل البيت، فقاتل الله من يضع هذه الأكاذيب التي يعدها من مستملحات الحديث، وهي من لهوه. ثم ذكر مثالب يحيى بن أكثم رضي الله عنه، والله يعلم أنه نزيه عما نسب إليه من تلك الكذبات، قال ابن خلكان في جملة ما ترجمه به ما نصه: وذكر الخطيب في تاريخه أنه ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه ما يرميه الناس به فقال: سبحان الله من يقول هذا؟. وأنكر ذلك إنكاراً شديداً، وذكر عنه أنه كان يحسد حسداً شديداً، ثم ذكر تفننه وذكاءه وعلمه وما رمي به، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ص 201]