كشف الغمة عن جميع الأمة، للشعرانيالجزء الأول › كتاب الطهارة وأحكام المياه › باب كيفية إزالة النجاسة › فصل في جلود الميتة والمذكى

ابحث في الصفحة

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المسلم لا ينجس حياً أو ميتاً" وكان عطاء رضي الله عنه لا يرى بأساً باتخاذ الخيوط والحبال من شعر الإنسان. وكان صلى الله عليه وسلم إذا حلق شعره أو قلم ظفره أو بصق يبتدره أصحابه فيقتمسوا الشعر والظفر ويتدلكون بالبصاق، ويقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك. وكانت أم سليم تبسط لرسول الله صلى الله عليه وسلم نطعاً فيقيل عندها على ذلك النطع فيعرق عليه، فإذا قام أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم تضعه عندها، فكل من أصابه عين أو شيء بعث إليها بإناء فتخضخض له القارورة بالماء فيشرب منه فيبرأ من وقته وفي ذلك دليل على أن الآدمي لا ينجس بالموت ولا شيئاً من أجزائه وشعره بالانفصال. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر". وسئل ابن عباس فقيل له: إنا نغزو المغرب وإنهم أهل وبر ولهم قرب يكون فيها اللبن والماء والودك ونحن لا نأكل ذبائح البربر والمجوس أفنلبس الفراء من جلودها ونستعمل القرب منها؟. فقال ابن عباس: نعم، الدباغ طهور، فقيل له: عن رأيك أو شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. فقال: بل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الميتة لحمها أما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به. وبذلك احتج من قال بطهارة جلد الخنزير بالدباغ، ويشهد له حديث: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وقالت ميمونة: تصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بشاة فماتت فألقيناها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به". فقالوا: إنها ميتة، فقال: "إنما حرم أكلها" وكان الزهري ينكر الدباغ ويقول: يستمتع بجلود الميتة على كل حال لا سيما في حق الأعراب. وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يسأل عن جلود الميتة فيقول: "يطهرها الماء والقرظ" ودخل صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك على أهل بيت فإذا قربة معلقة فسأل الماء فقالوا له: يا رسول الله! إنها ميتة، فقال: "دباغها طهرها". وفي رواية أخرى: دباغها ذكاتها. وفي أخرى: ذكاتها دباغها. وفيه [1/ 45] دليل على أن جلد المذكى طاهر ولو لم يدبغ. وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم سلخ شاة وأدخل يده بين الجلد واللحم حتى توارت إلى الإبط، ثم صلى للناس ولم يغسل يده كما مر. وقالت سودة بن زمعة: ماتت لنا شاة فدبغنا جلدها ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شناً. وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: جاء ناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جلوس فقالوا: يا رسول الله، إن سفينة لنا انكسرت وإنا وجدنا ناقة سمينة ميتة فأردنا أن ندهن سفينتنا وإنما هي عود على الماء، فقال: "لا تنتفعوا بشيء من الميتة". وقال عبد الله بن عكيم: قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة، وأنا يومئذٍ غلام شاب يقول فيه: لا تستمتعوا من الميتة بإهاب أو عصب، وكان ذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهرين، وكان حماد بن زيد يقول: لا بأس بريش الميتة. وكان الزهري يقول في عظم الموتى نحو الفيل وغيره: أدركت ناساً من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها لا يرون به بأساً. وقال ابن سيرين: لا بأس بتجارة التاج. وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها أو الجلوس. ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً عليه قلنسوة من ثعالب فأمر بها ففتقت. وقال له: وما يدريك لعله بمذكى، ورأى مرة أخرى رجلاً عليه قلنسوة من جلود الهر فحرقها وقال: إنها ميتة، والله أعلم.