الفاء تدل على أن ما بعدها متفرع عن الذي قبلها فهو يقول حيث كان حبيبي مصاحبي وبوجوده تنتفي غربة الأوطان فقد ثبت أن الدار التي ليست لي تصير بوجوده دار أهلي ومحل وطني إذ الحزن من بعده يكون والفرح بوجوده يتوفر للفؤاد المحزون فالدار داري وحبي حاضر بأوطاني جالب لأوطاري والحب هنا بكسر الحاء بمعنى المحبوب ومتى هنا شرطية وبدا بمعنى ظهر والمنعرج هنا بضم الميم وسكون النون وفتح الراء على صيغة اسم المفعول والمراد به هنا اسم المكان أي موضع تعريج الأحباب في الجرعاء ومكان اجتماعهم في هاتيك الصحراء هو مكان انعراجي المعهود هناك وبه أراك في شجر الأراك حيث يجتنى السواك ولا نطلب سواك كما قال:
بالله إن جزت بوادي الأرك * وقبلت أغصانه الخضر فاك
فابعث إلى المملوك من بعضها * فإنني والله ما لي سواك
(ن) قوله حاضر أي لا غيبة له عني لأنه وجودي الذي أنا موجود به في ظاهر الحال ولا يغيب أحد عن وجوده وإن غاب عن خصوص كونه وتعيينه لأن ذلك أمر عدمي في الحقيقة وقوله ومتى بدا يعني أنه متى استتر عني بإظهار صورته العدمية لي فأراني إياها موجودة بوجوده من غير أن أعرف أنها موجودة بوجوده وهي الغفلة التي قال تعالى {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} وذلك لأنه تعالى يملك القلوب والأبصار ويقلبها على حسب ما يريد ويختار والجرعاء أرض طيبة النبات والمعنى بمنعرج الجرعاء مكابدة السلوك بالذل والتقوى في طريق الله تعالى وجمع الهمة بالتوجه إليه سبحانه والإعراض عما سواه تعالى بالكلية وهي المجاهدة الشرعية فإن هذه الحالة يستقيم فيها أمره فيجد فيها قلبه فكان محبوبه نازل فيها حيث يجده هناك لقوله عنه بدا أي خرج إلى البادية ومنعرج الجرعاء من جملة البادية فمنعرج الجرعاء كناية عن حالات السلوك في الطريق المستقيم الذي يدخل في إمكان المريد السالك تحت اختياره لاشتماله على تجرع الشدائد يترك العوائد فيصير ذلك المنعرج الذي هو موطن محبوبه موطناً له أيضاً ولهذا قال منعرجي اهـ.