شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الثاني › [القصيدة الجيمية] › [مقدمة القصيدة الجيمية] › (بِحَقِّ عِصْيَانِي الْلاَّحِي عَلَيْكَ وَمَا * بِأَضْلُعِي طَاعَةٌ لِلْوَجْدِ مِنْ وَهَجِ)

ابحث في الصفحة

(اُنْظُرْ إِلَى كَبِدٍ ذَابَتْ عَلَيْكَ جَوَىً * وَمُقْلَةٍ مِنْ نَجِيْعِ الْدَّمْعِ فِي لُجَجِ)

(وَارْحَمْ تَعَثُّرَ آمَالِي وَمُرْتَجَعِي * إِلَى خِدَاعِ تَمَنِّي الْوَعْدِ بِالْفَرَجِ)

(وَاعْطِفْ عَلَى ذُلِّ أَطْمَاعِي بِهَلْ وَعَسَى * وَامْنُنْ عَلَيَّ بِشَرْحِ الْصَّدْرِ مِنْ حَرَجِ)

انظر نظر الله إليك وعطف بلطفه عليك إلى هذه الأبيات الساميات وما اشتملت عليه من الألفاظ الرشيقة والمعاني الأنيقة وما بها من الغرام الذي يأخذ بالألباب والأفهام وتسحر العقل سحر هاروت وتجعل العاقل بالجنون منعوت ليس ما بها شبيهاً بألفاظ من مضى من أهل الفصاحة ولا قريباً من بلاغة من اتصف ميزان أدبه بالرجاحة قال بحق عصياني اللاحي عليك وفي القسم به إشارة إلى كونه عنده أمراً عظيماً ووصفاً جسيماً فإنه لا يقسم إلا بعظيم ولا يحلف إلا بكريم أي أحلف بحق عصياني الشخص الذي يلحاني عليك ويقول مالك محباً لهذا الحبيب وهو ليس من مقام محبتك بقريب فاعصه غراماً وابعد عنه هياماً وذلك يقتضي شدة الالتزام بالغرام قوله وما عطف على عصياني أي وأقسم أيضاً بالحب والنار التي تنشأ عنه مستقراً ذلك في داخل أضلعي لأجل طاعتي للوجد ويجوز في طاعة أن يكون منصوباً على التعليل لعصياني فيصير المعنى أقسم بحق عصياني من لحاتي على محبتك لأجل طاعتي للوجد فإن من أطاع الوجد عصى من لحاه عليه والذي استقر في الأضلع من اللهيب إنما هو لطاعة الحبيب ومن في قوله من وهج بيانية والمبين ما في قوله وما بأضلعي والوهج يفتح الواو والهاء لهيب النار وقوله انظر فعل أمر والمخاطب به الحبيب الذي خاطبه بقوله بحق عصياني اللاحي عليك وانظر هنا من النظر الذي هو بمعنى الحنوّ وعليك متعلق بذابت أي ذابت لأجل محبتك وجوى مفعول لأجله أي ذابت في محبتك لأجل الجوى الذي هو مرض الباطن لأجل الحب ومقلة بالجر عطفاً على كبد أي انظر إلى الكبد الذاتية والمقلة التي هي بدم القلب صائبة فهي في دمائها غرقى من دم الكبد التي ذابت عليك عشقاً واعلم أنني لم أسمع في مدة العمر ألطف من قوله تعثر آمالي وذل أطماعي ومن سمع تعثر

ص 79

الآمال وذل الأطماع قبل هذا الكلام والآمال إذا ما تعثرت تراها تتمنى الوصال ثم تراه بعيد المنال فتسقط في مقام اليأس ثم تستند إلى قوة الرجاء فتقوم طامعة ثم تخور راجعة فلا تزال بين اليأس والرجاء والفزع والالتجاء ومن كان بهذه الحالة فإنه يبكي عليه رحمة لما هو فيه من الحيرة وبعد ذلك يرجع إلى خداع تمنيه أن يوعد بالفرج فانظر إلى هذه المراتب أولاً الرجوع فإن المرتجع مصدر ميمي على صيغة اسم المفعول ويرجع إلى تمنيه فالتمني المرتبة الثانية والمرتبة الثالثة الوعد والمرتبة الرابعة الفرج (والمعنى) وارحم رجوعي بعد تعثر آمالي إلى خداع أن أتمنى أن أوعد منك بالفرج فهو راض بالخيال من غير مآل لتعثر الآمال وتمني وعد الوصل بالفرج من ضيق الحال نعم نعم هكذا هكذا وإلا فلا طرق الجد غير طرق المزاح وما أحسن عطفه العطف على الرحمة في قوله واعطف عطفاً على وارحم وإنما أضاف الذل إلى الأطماع لأن من شأن الطمع الذل وفي الأمثال من طمع ذل والأطماع بفتح الهمزة على وزن أفعال جمع طمع وهو الحرص على الشيء قوله بهل وعسى متعلق باعطف أو تعطف على ذل طمعي إذا شاهدته فإن العزيز إذا رأى ذل عبده بين يديه تعطف عليه لكن قوله بهل وعسى فيه إشكال من جهة هل لأن هل للاستفهام والحبيب إذا عطف لا يقول لعاشقه هل نعم قد يقول له إذا طلب منه لطفاً وعطفاً عسى يكون ذلك وأما الاستفهام فقيه إشكال ويمكن الجواب أيضاً بأن هل هنا استعملها الشيخ بمعناها الأصلي وهو قد يكون المعنى اعطف على أطماعي إذا شاهدت ذلها بما يقتضي تحقيق اللطف والالتفات وهو قد وبما يقتضي الرجاء وهو عسى ويمكن الجواب أيضاً بأن هل ترد بمعنى الجزاء أي اعطف على ذل أطماعي عند مشاهدتها جزاء للذل ويمكن هنا جواب آخر غير أنه بعيد في غاية البعد وهو أن يكون المعنى اعطف على ذلي بأن تجعلني مستفهماً منك عن سبب الوصال وأنت عند استفهامي تجيبني بلفظ الرجاء ومع ذلك فاللفظ مشكل قوله وامنن على وزن وانصر معطوف على قوله واعطف ومن حرح متعلق بشرح الصدر والحرج محركة يرد بمعنى المكان الضيق ويرد بمعنى الضيق وهو المعنى المصدري والمراد الثاني قوله امنن من المن الذي هو بمعنى التفضيل لا بمعنى المن المذموم فافهم (ن) الخطاب للمكنى عنه بالرشا في البيت السابق وقوله انظر المراد نظر رحمة خاصة استعدّ لها وإلا فإن الرحمة العامة شاملة للكل قال تعالى {ورحمتي وسعت كل شيء} وقوله إلى كبد المعنيِّ بذلك القلب الروحاني المنفوخ فيه من الأمر الرباني وقوله ذابت لأن الكبد مؤنثة ودوبانها كناية عن فنائها في شهود الأمر الإلهي فإن الروح منفوخ من أمر الله وهي مخلوقة من الأمر الرباني من غير واسطة فإذا فنيت بعد فناء الجسد المسوّي لم يبق إلا الأمر قال تعالى {ذلك أمر الله أنزله إليكم} وقوله ومقلة عطف على كبد والمقلة عبارة عن العين الباصرة دعاه أن ينظر إليها من قوله عليه السلام كنت بصره الذي يبصر به حتى ينظر إليه ولا تحيجبه عنه حاجب وقوله من نجيع الدمع في لجج يكني باللجج أي المقادير الكثيرة من دم الدمع التي غرفت فيها العين عن الصور الكونية المدعية للوجود بنجاسة الشرك الخفي كما قال تعالى {إنما المشركون نجس} كما أن الدم نجس وقد أضيف إلى الدمع فنجسه فإذا كان الحق بصره الذي يبصر به رأى به فناء الأكوان وشهد المتجلي الحق في جميع الأعيان وقوله إلى خداع تمني الوعد بالفرج يعني أن نفسه تخدعه فتطمعه في حصول الفرج من

ص 80

الشدة التي هو فيها ولا فرج في وصوله إلى المحبوب الحقيقي لعدم المناسبة بينهما يوجه من الوجه وقوله بهل يعني اسأل عني ولو مستفهماً بقولك هل هنا أحد ولا تعرض عني بالكلية بحيث لا نلتفت إلي واجبر بذلك كسري وتعطف على ذل طمعي فيك وقوله وعسى بعني أن بقول له محبوبه عسى أن أصلك أو ألتفت إليك فإن هذا إطماع للمحب من المحبوب قاله المحبوب يحمل بذلك محبه على الرجاء منه اهـ.