شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الثاني › [القصيدة الميمية] › [مقدمة القصيدة الميمية] › (وَلَوْ جُلِيْتَ سِرًّا عَلَى أَكْمَهٍ غَدَا * بَصِيْراً وَمِنْ رُاووقِهَا تَسْمَعُ الْصُّمُّ)

ابحث في الصفحة

الأكمه الأعمى يولد بالعمى من بطن أمه وقيل عام كمه على وزن فرح عمى قوله سراً أي لو جلبت هذه المدامة في السر لا في الجهر على أعمى قد ولد كذلك صار بصيراً وزال عنه ذلك الوصف ثم أعقب ذلك بقوله ومن راووقها اعلم أن الراووق المصفاة والباطنية تسمع الصم يعني أن الأصم الذي لا يسمع لو أصغى إلى صوتها وهي تسكب في الراووق لتصغي لعاد إليه سمعه وثاب إليه نفعه وفي هذا البيت زيادة على الأبيات الأخر لأن فيه إرجاع حاستين إلى الأذن والعين وهما السمع ونور العين وفي التعبير بالصم مبالغة لاقتضائه أن الجماعة الذين فقدوا أسماعهم يعودون إليها بمجرد الإصغاء إلى صوت المدامة عند نزولها إلى الراووق وإن أردت إجراء الثاني على نمط الأول يكون المراد من الصم الأفراد (ن) قوله ولو جليت سراً الضمير راجع إلى المدامة المذكورة والمعنى في ذلك انكشاف الحقيقة الوجودية الجامعة وقوله أكمه هو العبد الغافل المحجوب بنفسه عن معرفة تجليات ربه وقوله غدا أشار به إلى انشقاق فجر السالك بعد ظلمة ليلته بالفتح الرباني والمدد الرحماني وقوله بصيراً أي ذا بصر يرى به ما لم يكن يرى ويكشف ببصيرته عن أسرار الورى وقوله ومن راووقها يشير بالراووق إلى العقل الذي للإنسان الكامل فإنه لا يهجم على

ص 182

الإدراك وصاحبه لا يدرك به وإنما يدرك بنور ربه ثم يعرض ما أدركه بنور ربه على عقله وعقله بصفي ذلك من كدر الأغيار ودنس الآثار فهو الراووق وهو الفاروق وقوله تسمع الصم يكني بالصم عن الغافلين الذين لا يسمعون الحق لاشتغالهم بالباطل وبالسمع عن كونهم يسمعون من راووقها الذي هو العقل النوراني ولا يقدر أحد أن يسمع كلام أهل الله تعالى العارفين بربهم إلا إذا سمعه من عارف بربه فإذا سمعه من غير العارف أو تلقاه من الكتاب وفهمه بعقله الظلماني فما ذلك بكلام أهل الله العارفين به وإنما هو كلام نفسه اهـ.