6103 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إن تمسكم حسنه تسؤهم} قال: إذا رأوا من المؤمنين جماعة وألفة ساءهم ذلك، وإذا رأوا منهم فرقة واختلافا فرحوا.
وأما قوله: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا أيها المؤمنون على طاعة الله، واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه، من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم من دون المؤمنين، وغير ذلك من سائر ما نهاكم، وتتقوا ربكم، فتخافوا التقدم بين يديه فيما ألزمكم، وأوجب عليكم من حقه وحق رسوله، لا يضركم كيدهم شيئا: أي كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم.
ويعني بكيدهم: غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين ومكرهم بهم ليصدوهم عن الهدى وسبيل الحق.
واختلف القراء في قراءة قوله: {لا يضركم} فقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز وبعض البصريين: "لا يضركم" مخففة بكسر الضاد من قول القائل: ضارني فلان فهو يضيرني ضيرا، وقد حكي سماعا من العرب: ما ينفعني ولا يضورني. فلو كانت قرئت على هذه اللغة لقيل: لا يضركم كيدهم شيئا، ولكني لا أعلم أحدا قرأ به، وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة وعامة قراء أهل الكوفة: {لا يضركم كيدهم شيئا} بضم الضاد وتشديد الراء من قول القائل: ضرني فلان فهو يضرني ضرا.
وأما الرفع في قوله: {لا يضركم} فمن وجهين: أحدهما على إتباع الراء في حركتها، إذ كان الأصل فيها الجزم، ولم يمكن جزمها لتشديدها أقرب حركات الحروف التي قبلها، وذلك حركة الضاد، وهي الضمة، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها، كما قالوا: مد يا هذا. والوجه الآخر من وجهي الرفع في ذلك: أن تكون مرفوعة على صحة، وتكون "لا" بمعنى "ليس"، وتكون الفاء التي هي جواب الجزاء متروكة لعلم السامع بموضعها. وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا، ثم تركت الفاء من قوله: {لا يضركم كيدهم} ووجهت "لا" إلى معنى "ليس"، كما قال الشاعر:
فإن كان لا يرضيك حتى تردني إلى قطري لا إخالك راضيا
ولو كانت الراء محركة إلى النصب والخفض كان جائزا، كما قيل: مد يا هذا، ومد.