تفسير الطبريالجزء الرابع › سورة آل عمران › القول في تأويل قوله تعالى: {يأيها الذين أمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم}

ابحث في الصفحة

6453 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إذا ضربوا في الأرض} الضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله.

وأصل الضرب في الأرض: الإبعاد فيها سيرا. وأما قوله: {أو كانوا غزى} فإنه يعني: أو كانوا غزاة في سبيل الله. والغزى: جمع غاز، جمع على فعل كما يجمع شاهد: شهد، وقائل: قول. وقد ينشد بيت رؤبة:

فاليوم قد نهنهني تنهنهي وأول حلم ليس بالمسفه

وقول إلا ده فلا ده

وينشد أيضا:

وقولهم إلا ده فلا ده

وإنما قيل: {لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى} بإصحاب ماضي الفعل الحرف الذي لا يصحب مع الماضي منه إلا المستقبل، فقيل: وقالوا لإخوانهم ثم قيل: إذا ضربوا. وإنما يقال في الكلام: أكرمتك إذ زرتني، ولا يقال: أكرمتك إذا زرتني، لأن القول الذي في قوله: {وقالوا لإخوانهم} وإن كان في لفظ الماضي فإنه بمعنى المستقبل، وذلك أن العرب تذهب بالذين مذهب الجزاء، وتعاملها في ذلك معاملة "من" و "ما"، لتقارب معاني ذلك في كثير من الأشياء، وإن جمعهن أشياء مجهولات غير مؤقتات توقيت عمرو وزيد. فلما كان ذلك كذلك، وكان صحيحا في الكلام فصيحا أن يقال للرجال: أكرم من أكرمك، وأكرم كل رجل أكرمك، فيكون الكلام خارجا بلفظ الماضي مع من وكل مجهول، ومعناه الاستقبال، إذ كان الموصوف بالفعل غير موقت، وكان "الذين" في قوله: {لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض} غير موقتين، أجريت مجرى "من" و "ما" في ترجمتها التي تذهب مذهب الجزاء وإخراج صلاتها بألفاظ الماضي من الأفعال وهي بمعنى الاستقبال، كما قال الشاعر في "ما":

وإني لآتيكم تشكر ما مضى من الأمر واستيجاب ما كان في غد

فقال: ما كان في غد، وهو يريد: ما يكون في غد، ولو كان أراد الماضي لقال: ما كان في أمس، ولم يجز له أن يقول: ما كان في غد. ولو كان الذي موقتا، لم يجز أن يقال: ذلك خطأ أن يقال لك: من هذا الذي أكرمك إذا زرته؟ لأن الذي ههنا موقت، فقد خرج من معنى الجزاء، ولو لم يكن في الكلام هذا، لكان جائزا فصيحا، لأن الذي يصير حينئذ مجهولا غير موقت، ومن ذلك قول الله عز وجل: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} [الحج: 25] فرد "يصدون" على "كفروا"، لأن "الذين" غير موقتة، فقوله: {كفروا} وإن كان في لفظ ماض، فمعناه الاستقبال، وكذلك قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} [مريم: 60] وقوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} معناه: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم، و إلا من يتوب ويؤمن، ونظائر ذلك في القرآن والكلام كثير؛ والعلة في كل ذلك واحدة. وأما قوله: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} فإنه يعني بذلك: حزنا في قلوبهم. كما: