6490 - حدثنا عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: "وما كان لنبي أن يغل" قال الربيع بن أنس، يقول: ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه، قال: ذكر لنا - والله أعلم - أن هذه الآية أنزلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه.
وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبي أن يتهم بالغلول فيخون ويسرق. وكأن متأولي ذلك كذلك وجهوا قوله: "وما كان لنبي أن يغل" إلى أنه مراد به يغلل، ثم خففت العين من يفعل فصارت يفعل، كما قرأ من قرأ قوله: "فإنهم لا يكذبونك" [الأنعام: 33] بتأول يكذبونك.
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ: {وما كان لنبي أن يغل} بمعنى: ما الغلول من صفات الأنبياء، ولا يكون نبيا من غل. وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله: {وما كان لنبي أن يغل} أهل الغلول، فقال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}... الآية، والتي بعدها، فكان في وعيده عقيب ذلك أهل الغلول، الدليل الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله: {وما كان لنبي أن يغل} لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلول، لعقب ذلك بالوعيد على التهمة، وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالوعيد على الغلول، وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول بيان بين، أنه إنما عرف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتف من صفة الأنبياء وأخلاقهم، لأن ذلك جرم عظيم، والأنبياء لا تأتي مثله.
فإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك: فأولى منه صلى الله عليه وسلم: وما كان لنبي أن يخوله أصحابه إن ذلك صلى الله عليه وسلم كما ذكرت، ولم يعقب الله قوله: {وما كان لنبي أن يغل} إلا بالوعيد على الغلول، ولكنه إنما وجب الحكم بالصحة لقراءة من قرأ: "يغل" بضم الياء وفتح الغين، لأن معنى ذلك: وما كان للنبي أن يغله أصحابه، فيخونوه في الغنائم؛ قيل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبي صلى الله عليه وسلم فيخونوه، حتى خصوا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قالوا: نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام، لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط.
إن قال قائل: لم يكن ذلك لهم في نبي ولا غيره؟ قيل: فما وجه خصوصهم إذا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض اليهود، بمنزلة فيما حرم الله على الغال من أموالهما، وما يلزم المؤمن من أداء الأمانة إليهما. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عز وجل نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه، ناهيا بذلك عباده عن الغلول، وآمرا لهم 0 بالاستنان بمنهاج نبيهم، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية ثم عقب تعالى ذكره نهيهم عن الغلول بالوعيد عليه، فقال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}... الآيتين معا.