وأما قوله: {والله أعلم بما يكتمون} فإنه يعني به: والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالا ما تبعوهم، ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما يخفونه من ذلك، مطلع عليه، ومحصيه عليهم حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا، فيفضحهم به، ويصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى:. {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين}
يعني تعالى ذكره بذلك: وليعلم الله الذين نافقوا، الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا. فموضع "الذين" نصب على الإبدال من "الذين نافقوا"، وقد يجوز أن يكون رفعا على الترجمة عما في قوله: {يكتمون} من ذكر "الذين نافقوا" فمعنى الآية: وليعلم الله الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين بأحد يوم أحد، فقتلوا هنالك من عشائرهم وقومهم، {وقعدوا} يعني: وقعد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا مما أخبر الله عز وجل عنهم من قيلهم عن الجهاد مع إخوانهم وعشائرهم في سبيل الله: {لو أطاعونا} يعني: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا {ما قتلوا} يعني: ما قتلوا هنالك. قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء القائلين هذه المقالة من المنافقين: فادرؤوا، يعني: فادفعوا من قول القائل: درأت عن فلان القتل، بمعنى: دفعت عنه، أدرؤه درءا، ومنه قول الشاعر:
تقول وقد درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني
يقول تعالى ذكره: قل لهم: فادفعوا إن كنتم أيها المنافقون صادقين في قيلكم: لو أطاعنا إخواننا في ترك الجهاد في سبيل الله مع محمد صلى الله عليه وسلم وقتالهم أبا سفيان ومن معه من قريش، ما قتلوا هنالك بالسيف، ولكانوا أحياء بقعودهم معكم وتخلفهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وشهود جهاد أعداء الله معه؛ الموت، فإنكم قد قعدتم عن حربهم، وقد تخلفتم عن جهادهم، وأنتم لا محالة ميتون. كما: