قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج كفن الميت من رأس المال، فإن لم يوف كمل من غيره، وتارة يجعل الأذخر على رجليه ويدفنه ولا يأمر أحداً بكمالة الكفن كما فعل بمصعب بن عمير رضي الله عنه. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه". قالت عائشة رضي الله عنها: ولما مرض أبو بكر رضي الله عنه نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به درع من زعفران يعني أثر، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها، قلت: إن هذا خلق، قال: إن الحي أولى بالجديد من الميت إنما هو للصديد والمهلة. ولما احتضر حذيفة رضي الله عنه أتوه بحلة ثمنها ثلاثمائة وخمسين درهماً ليكفن فيها فقال: لا حاجة لي بها، اشروا لي ثوبين أبيضين فإنهما لن يتركا إلا قليلاً حتى أبدل بهما خيراً منهما أو شراً منهما، ولما احتضر أبو سعيد رضي الله عنه دعا بثياب جديدة فلبسها ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يبعث الميت في ثيابه التي مات فيها". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "خير الكفن الحلة يعني الثوبين، فأحب أن يكون كفني ثيابي في الدنيا". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تغالوا في الكفن فإن يسلب سلباً سريعاً". ولما مات حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه كفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نمرة في ثوب واحد. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا جمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً يعني به تبخيره عند إرادة غسله ستراً للرائحة الكريهة، ولما حضرت وفاة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أوصت أن يجمروا ثيابها إذا ماتت ويذروا على كفنها الحنوط ولا يتبعوها بنار. قال أنس رضي الله عنه: وكفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض جدد سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة، فأدرج فيها إدراجاً. وفي رواية: وكان فيها قميص، وفي أخرى: كفن صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء ليس فيها قميص، وجعل في لحده قطيفة كانت له. وكان صلى الله عليه وسلم يرخص في الكفن المصبوغ قبل نسخه كثياب الحبرة ونحوها، ولكن البياض كان أحب إليه، وكان صلى الله عليه وسلم يقر أصحابه على الاستعداد للكفن خوفاً أن يأتيهم الموت بغتة. وكسا صلى الله عليه وسلم رجلاً بردة فقال: يا رسول الله! إنما أخذتها لأكفن فيها إذا مت؟. قال أنس رضي الله عنه: فكفن فيها حين مات. وكان صلى الله عليه وسلم يقف على غسل أزواجه وبناته ومعه الأثواب يناولهن ثوباً ثوباً من وراء الباب، وكان صلى الله عليه وسلم يناولهن أولاً الحقي ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم يدرجنها بعد ذلك في الثوب الآخر. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بشد الفخذين والوركين بخرقة تحت الدرع. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بتطييب بدن الميت وكفنه ما لم يكن الميت محرماً، فإنه كان يقول في المحرم: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبه ولا تحنطوه بطيب ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة محرماً"، وإن كان المحرم امرأة قال: "ولا تغطوا وجهها فإنها تبعث محرمة". قال أنس رضي الله عنه: ولما ماتت فاطمة بنت أسد بن هشام أم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها وقال: "رحمك الله بأبي وأمي، كنت تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، [1/ 198] وتمنعين نفسك أطيب الطعام وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله". ثم أمر أن تغسل بالماء ثلاثاً فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه وألبسها إياه وكفنها فوقه، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وغلاماً أسود وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج ترابه بيده، ثم لما فرغ اضطجع فيه ثم قال: الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي يا أرحم الراحمين، ثم صلى عليها وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر رضي الله عنهم أجمعين، والله سبحانه وتعالى أعلم.