قال أبو هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشدد في الإفطار في رمضان من غير عذر ويقول: من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صوم الدهر كله، وإن صامه. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "من أفطر يوماً من رمضان في الحضر فليهد بدنة". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر، حلال الدم والمال، شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان". وفي رواية: من ترك واحدة فهو بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل وقد حل دمه وماله، وكان صلى الله عليه وسلم يرخص في الفطر للمسافر، وكثيراً ما كان يقول للمسافر: "إن شئت صم وإن شئت فأفطر". وكانت الصحابة رضي الله عنهم يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم الصائم ومنهم المفطر ولم يعب على من أفطر ولا على من صام. وكان صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالفطر في يوم الحر الشديد الذي يجهدهم فيه الصوم ويقول: ليس من البر الصيام في السفر. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه". قال عمار بن ياسر رضي الله عنه: ولقد أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة فسرنا في يوم شديد الحرب(9) فنزلنا في بعض الطريق، فانطلق الرجل منا فدخل تحت شجرة فإذا أصحابه يلوذون به وهو مضطجع كهيئة المريض يرشون عليه الماء، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بال صاحبكم" قالوا: صائم، قال: "عليكم [1/ 244] برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها" وكان صلى الله عليه وسلم لا يفطر ولو أجهده الصوم، وربما أفطر في بعض الأحيان تطييباً لقلوب أصحابه. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شهر رمضان في حر شديد حتى أن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. وقال أنس رضي الله عنه: كنا إذا سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من يصوم ومنا من يفطر، فنزلنا يوماً منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، فمنا من يتقي الشمس بيده فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال صلى الله عليه وسلم: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر". وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول: الصيام في السفر كالإفطار في الحضر ترغيباً في الإفطار شفقة عليهم. وكان عمر رضي الله عنه يقول: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوتين بدراً والفتح فأفطرنا فيهما، قال أنس رضي الله عنه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يتغذى في السفر في رمضان يقول لأصحابه: هلم إلى الغذاء، إن الله قد وضع عن المسافر الصيام ونصف الصلاة وأرخص له في الإفطار كما أرخص للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما. وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يصوم في السفر أبداً، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أجد مني قوة على الصوم في السفر فهل عليَّ جناح؟. فقال: "هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه". وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول لأصحابه في السفر: "إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا فتكون عزمة" فيفطرون كلهم. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر في السفر، وإنما يؤخذ من أمره بالآخر فالآخر، وكانوا يرون ذلك الناسخ المحكم. وقال أنس رضي الله عنه: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في شهر رمضان ومعه عشرة آلاف صام صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه. وكان أكثر الصحابة مشاة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكب، فمروا على نهر في الطريق فعطش الناس وجعلوا يمدون أعناقهم وتتوق نفوسهم إلى الشرب منه فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت؟. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه وما كان يريد أن يشرب. وفي رواية: قال لهم اشربوا أيها الناس فأبوا فقال: إني لست مثلكم إني راكب فأبوا فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه فنزل فشرب وشرب الناس معه صلى الله عليه وسلم، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان في سفر على حمولة تأوي إلى شبع وري وأدرك رمضان في السفر فليصمه حيث أدركه". وحمل العلماء هذا على الاستحباب لا الوجوب، والله أعلم.
------
(9) الحرب والأصح الحر كما يفهم من السياق.
------