كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر في أثناء اليوم الذي هو فيه صائم يشرب أول ما [1/ 245] يستوي على راحلته والناس ينظرون فيقول المفطرون للصوام: أفطروا. وكان مقدار السفر الذي كانوا يفطرون فيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أميال فأكثر، وكان علي رضي الله عنه يقول: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم، لأن الله تعالى يقول: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (البقرة: 185) وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقول، وقالت أم درة رضي الله عنها: أتيت عائشة رضي الله عنها يوماً فقالت: من أين جئت؟. فقلت: من عند أخي، ودعته يريد السفر فقالت عائشة رضي الله عنها: فأقريه مني السلام، وأمريه أن يصوم فلو أدركني شهر رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت. وكان دحية الكلبي رضي الله عنه إذا سافر في رمضان إلى مسيرة ثلاثة أميال يفطر ويقول لمن صام وكره الإفطار، ما كنت أظن أني أعيش إلى زمن يرغب فيه عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، اللهم اقبضني إليك، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا أراد سفراً يرحل راحلته ويلبس ثياب السفر ثم يدعو بطعام فيأكل فيقال له سنة، فيقول: سنة، ثم يركب. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا كان في سفر في رمضان فعلم أنه داخل المدينة في أول يومه دخل وهو صائم، وكان أبو بصرة الغفاري رضي الله عنه يأكل في رمضان حين يعزم على السفر في البحر، فأكل يوماً حين خرجت السفينة من شاطئ البحر وهو بين البيوت ولم يجاوزها فقيل له في ذلك فقال: "هي السنة". وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل في سفره بلداً يفطر ما لم يجمع إقامة، ولما غزا غزوة الفتح في رمضان صام حتى إذا بلغ الكديد الماء الذي بين قديد وعسفان أفطر، فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر، وكان الفتح لعشر بقين من رمضان.