كشف الغمة عن جميع الأمة، للشعرانيالجزء الأول › كتاب الحج والعمرة وأحكامهما › باب ما يتعلق بدخول المحرم مكة إلى الدفع إلى عرفة للوقوف

ابحث في الصفحة

قال أنس رضي الله عنه: وكان صلى الله عليه وسلم يكره لمن دخل الحرم أن يدخله بغير نسك تعظيماً لله عز وجل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في دخول مكة بغير إحرام من غير حرام لمن له عذر، وقد دخل صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة من غير إحرام. وكان صلى الله عليه وسلم يدخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى. وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى البيت رفع يديه ويقول: "ترفع الأيدي في الصلاة وإذا رأى البيت وعلى الصفا والمروة وعشية عرفة وبجمع وعند الجمرتين وعلى الميت". وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا رأى البيت: "اللهم زد هذا البيت [1/ 267] تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وزد من شرفه وكرمه وحجه واعتمره تشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام" ثم يدخل المسجد ويبدأ بطواف القدوم. وكان صلى الله عليه وسلم أمرهم إذا طافوا بالبيت الطواف الأول أن يخبوا ثلاثاً ويمشوا أربعاً. وكان صلى الله عليه وسلم يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة. وقال أنس رضي الله عنه: ولما دخل عليه الصلاة والسلام مكة معتمراً هو وأصحابه وطاف اضطبع برداء له أخضر، فجعل رداءه تحت إبطه ثم قذفه على عاتقه الأيسر وفعل أصحابه كلهم كذلك، وقد بلغه أن المشركين قالوا لبعضهم: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمر صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين ليري قريشاً قوتهم، فكانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا عن قريش مشوا، فإذا طلعوا عليهم رملوا فتقول قريش: كأنهم الغزلان، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لم يمنعه صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، وقيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: فيم الرمل الآن والكشف عن المناكب وقد أطاء الله الإسلام وبقي الكفر وأهله؟. فقال: ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكان صلى الله عليه وسلم لا يرمل لطواف الإفاضة، وكذلك أبو بكر رضي الله عنهما. وكان صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود أول طوافه بيده ثم يقبل يده في كل طوفة، وتارة كان يقبله، وتارة كان يشير إلى الحجر بالمحجن الذي بيده ثم يقبل المحجن، كثيراً ما كان يفعل ذلك وهو على البعير ثم يكبر. وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن الطواف بزمام، ولقد رأى مرة رجلاً يطوف بخزامة في أنفه فقطعها وقال لقائده قده بيده. وكان عمر رضي الله عنه يمنع المجذوم أن يخالط الناس في الزحمة. ويقول له: "طف من وراء الناس"، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمر: "إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، فإن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر". وكان النساء يطفن مع الرجال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنعهن من الاختلاط، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي الحجر الأسود يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق". وكان عمر رضي الله عنه يقبل الحجر ثم يقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، وكان صلى الله عليه وسلم لا يقبل الحجر الأسود من الأركان سوى الركن اليماني، فكان يقبله ويضع خده عليه في كل طوفة، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الحجر والمقام من ياقوت الجنة وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إن مسح الركن والحجر الأسود يحط الخطايا حطاً". وكان معاوية وابن الزبير رضي الله عنهما يستلمان الأركان كلها ويقولان ليس شيء من البيت مهجوراً. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: الملتزم هو ما بين الركن والباب. وكان صلى الله عليه وسلم إذا طاف يجعل البيت عن يساره، ويخرج في طوافه عن الحجر ويقول: إنه من البيت، ولكن [1/ 268] قصرت بهم النفقة حين بنوا البيت فأخرجوه منه. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: كنت كثيراً ما أحب أن أدخل البيت وأصلي فيه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني الحجر وقال لي: "صلي في الحجر إن أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قصرت بقومك النفقة". قالت رضي الله عنها: فقلت له: فما شأن باب البيت مرتفعاً؟. قال: "فعل ذلك قومك ليدخلوا من يشاءوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لأدخلت الحجر في البيت وألصقت بابه بالأرض". والله سبحانه وتعالى أعلم.