كشف الغمة عن جميع الأمة، للشعرانيالجزء الأول › كتاب الطهارة وأحكام المياه › باب فضل الوضوء وبيان صفاته › فصل

ابحث في الصفحة

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" قال شيخنا رضي الله تعالى عنه: ولم يقل أحد من العلماء بكمال العمل من غير نية أبداً. إذ النية هي القصد، وهذا لا يخلو عنه عامل إلا أن يكون غائب العقل لا يدري ما يفعل، وهذا غير مكلف. وما نقل عن أبي حنيفة من أنها ليست بفرض مراده أنها ثبتت بالسنة لا بالكتاب على مقتضى مصطلحه فهي واجبة عنده غير مفروضة، فالخلف لفظي، وأما ما بناه أصحابه على كلامه من صحة الوضوء والغسل بلا نية كما لو كان عليه جنابة وسبح [1/ 54] في النهر وهو غير ذاكر للجنابة فهي تساهل، وكأنهم نظروا إلى أن الماء يحيي العضو ولو بغير نية، كما أن الأرض تحيا بالماء إذا علا عليها وتنبت زرعها ولو لم يضعه إنسان، فما فات تارك النية إلا كمال الوضوء لا الوضوء إذا المكلف لا يخرج عن العهدة إلا بالحضور فيما كلف به لا سيما إذا لم تحصل تسمية عليه فحكمه حكم الميتة. وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة في أكثر أوقاته وربما صلى الصلوات بوضوء واحد، وكان وضوءه صلى الله عليه وسلم على وجوه كثيرة ولكن غالبها متداخل لا يزيد وضوء على آخر إلا بعض صفات. وكان صلى الله عليه وسلم تارة يتوضأ فيفرغ من الإناء على يمينه فيغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما الإناء ثم يتمضمض ويستنثر ثلاثاً بكف واحد، ثم يغسل وجهه ثلاثاً ثم يغسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم يغسل يده اليسرى ثلاثاً، ثم يدخل يده في الإناء فيمسح رأسه مرة واحدة مقدمه ومؤخره، ثم يغسل رجله اليمنى ثلاثاً ورجله اليسرى ثلاثاً. وهذه رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفيها اقتصر على مسحة واحدة للرأس وترك مسح الأذنين. وقال علقمة: بلغنا أن علياً رضي الله عنه في هذه الواقعة مسح رأسه ثلاثاً ثم قال: ولا خلاف لأنه صلى الله عليه وسلم وضع يده على نافوخه أولاً ثم مد يده إلى مؤخر رأسه ثم إلى مقدم رأسه ولم يفصل يده من رأسه ولا أخذ الماء ثلاث مرات، فمن نظر إلى هذه الكيفية قال: إنه مسح مرة واحدة، ومن نظر إلى تحريك يده قال: إنه مسح ثلاثاً، والله أعلم.

وتارة كان صلى الله عليه وسلم يصفي الإناء على يديه فيغسلهما ثم يدخل يده اليمنى فيفرغ بها على الأخرى ثم يغسل كفيه ثم يتمضمض ويستنثر ثم يدخل يديه في الإناء جميعاً فيأخذ بهما حفنة من ماء فيضرب بها على وجهه ثم يلقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك، ثم يأخذ بيده اليمنى قبضة من ماء فيصبها على ناصيته فيتركها تستن على وجهه ثم يغسل ذراعه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً ثم يمسح رأسه وظهور أذنيه ثم يدخل يديه جميعاً ويأخذ حفنة من ماء فيضرب بها على رجله فيها النعل فيغسلها بها ثم الأخرى مثل ذلك، ثم يقوم صلى الله عليه وسلم فيأخذ الإناء الذي فيه فضل وضوئه فيشرب منه قائماً. وهذه رواية علي رضي الله عنه أيضاً. قال ابن عباس: فسألت علياً رضي الله عنه فقلت: وفي النعلين؟. قال: وفي النعلين. قلت: وفي النعلين؟. قال: وفي النعلين. قلت: وفي النعلين؟. قال: وفي النعلين. تارة كان صلى الله عليه وسلم يفرغ إذا توضأ بيده اليمنى على يده اليسرى ثم يغسلها إلى الكوعين ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثم يغسل وجهه ثلاثاً ثم يغسل يده اليمنى ثلاثاً ثم يده اليسرى ثلاثاً، ثم يدخل يده فيأخذ ماء فيمسح به رأسه وأذنيه بطونهما وظهورهما مرة واحدة، فيدخل أصابعه في صماخ أذنيه فيمسح ظاهرهما بباطن الإبهامين وباطنهما بالمسبحتين، ثم يغسل رجليه ويقول: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه وهذه رواية عثمان. [1/ 55]

وتارة كان صلى الله عليه وسلم يدعو بالماء فيكئ منه على يديه فيغسلهما ثلاثاً، ثم يدخل يده ثم يستخرجها فيغسل بها وجهه ثلاثاً، ثم يدخل يده ثم يستخرجها فيغسل يديه إلى المرفقين مرتين، ثم يدخل يده ثم يستخرجها ويمسح بها رأسه فيقبل بيديه ويدير، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين، وهذه رواية عبد الله بن زيد رضي الله عنه وفيها دليل على أن الماء لا يصير مستعملاً بإدخال اليد فيه بعد غسل الوجه. وقيل لعبد الله بن زيد رضي الله عنه مرة: توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً من كف واحدة ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بماء غير فضل يديه وغسل رجليه حتى أنقاهما، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل له مرة أخرى: توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين وغسل رجليه مرتين ثم مسح برأسه مرتين وقال: هكذا توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عبد الله سالم: كنت أجيراً لعائشة فرأيتها وهي تتوضأ فقالت لي: انظر حتى أريك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، فتمضمضت واستنشقت ثلاثاً وغسلت وجهها ثلاثاً ثم غسلت يدها اليمنى ثلاثاً واليسرى ثلاثاً ثم وضعت يدها في مقدم رأسها. ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره ثم مرت يديها بأذنيها ثم مرت على الخدين ثم غسلت رجليها. قال سالم: كنت آتيها وأنا مكاتب فتجلس بين يدي وتتحدث معي وأسألها عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئتها ذات يوم فقلت: ادعي لي بالبركة يا أم المؤمنين. قالت: وما ذاك؟. قلت: أعتقني الله عز وجل. قالت: بارك الله فيك، ثم أرخت الحجاب دوني فلم أرها بعد ذلك اليوم. وبقي كيفيتان أخر ترجع إلى ما نذكره قريباً إن شاء الله تعالى من غير عزو إلى أحد من الرواة. وكان أوس بن أبي أوس يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بالماء على قدميه وكان فيهما خفان. قال العلماء: وكان هذا في أول الإسلام. وكان أنس رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وكان ابن عباس يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ مرة مرة، ورأيته يتوضأ مرتين مرتين ويقول: "هو نور على نور". ورأيته يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: "هكذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم وتعدى". وكان ثوبان يقول: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب التساخين. والعصائب هي: العمائم. والتساخين هما: الخفان. وكان صلى الله عليه وسلم يمسح رأسه بغرفة من ماء حتى يقطر الماء أو يكاد يقطر، وتارة كان يمسحه بما بقي من وضوئه على ذراعيه. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مسح العبد رأسه بالماء في الوضوء غفر الله له بكل شعرة ذنباً". فقيل: يا رسول الله! أفرأيت إن كان الذنوب أقل من ذلك؟. قال: "إذن يبدلها كلها حسنات وما من قطرة تقطر من رؤوسكم ولحاكم إلا ولها ذنب يغفر". وكان صلى الله عليه وسلم لا يحرك الشعر عن هيئته، وكان [1/ 56] يمسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره حتى يخرج يديه من تحت أذنيه، وكان يمسح الماقين. وكان صلى الله عليه وسلم يقول لمن ترك من أعضاء الوضوء مثلاً موضع الظفر: "ارجع فأحسن وضوءك" فيرجع فيتوضأ. وكان كثيراً ما يأمر من ترك لمعة أن يعيد الوضوء والصلاة ويقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار". وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا جاءوا ورأوا الوقت قد قرب خروجه يعجلون بالوضوء خوف خروج الوقت فينتهون إلى المسجد وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فرآهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار". ورأى عمر رجلاً توضأ وترك في ظهر رجله لمعة لم يصبها الماء فقال له: "اغسل ما تركت من قدميك". فتعلل بالبرد فأمر له بخميصة يتدفأ بها. وكانت عائشة رضي الله عنها تأمر النساء بغسل ما على أيديهن من الخضاب وتنهاهن عن المسح على الخضاب بالماء إذا توضأن، وكانت تقول: لأن تقطع يدي بالسكين أحب إليَّ من أن أفعل ذلك. وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بعد صلاة العشاء فينمن عليه، فإذا كان الفجر نزعنه فتوضأن وصلين ثم يختضبن إلى الظهر بأحسن خضاب، وكان لا يمنعهن ذلك عن الصلاة، وسيأتي في باب مسح الخف قول جابر لمن سأله: هل يجزيني المسح على العمامة؟. قال: لا، حتى تمسح الشعر بالماء. وكان صلى الله عليه وسلم تارة يمسح رأسه كله وتارة بعضه وتارة يقتصر على مسح العمامة وتارة يمسح بعضه ويكمل على العمامة.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك المضمضة والاستنشاق في بعض الأحيان كما يشهد له رواية عبد الله بن زيد السابقة وربما أخرهما إلى بعد غسل الوجه، ولم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم أخل بترتيب الوضوء إلا في إحدى روايات عبد الله بن زيد السابقة بالنظر لتأخير مسح الرأس عن الرجلين فقط، وكذلك لم يبلغنا أنه أخل بموالاة الوضوء أبداً ولكن يقر أصحابه على تفريق الوضوء. وكان ابن عمر يتوضأ في السوق إلا رجليه، ثم يجيء إلى المسجد بعد ما جف وضوءه فيمسح على خفيه ويصلي، وأما أمره صلى الله عليه وسلم من ترك لمعة بإعادة الوضوء فذلك زجر لهم وسيأتي ذلك آخر الباب. قالت ميمونة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل وجهه بيده اليمنى وتارة يغسله بيديه معاً، وكان يأخذ لأذنيه في أكثر أحواله ماء جديداً غير فضل ماء الرأس. وكان صلى الله عليه وسلم يقتصر كثيراً على غسل اليدين والرجلين إلى المرفقين والكعبين وتارة يجاوزهما وكان صلى الله عليه وسلم تارة يصب الماء على أعضائه بنفسه ويقول: "لا أحب أن يعينني أحد على طهوري". وتارة كان يستعين بغيره. وكانت أم عباس توضيه قائمة وهو قاعد صلى الله عليه وسلم. وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يترك تخليل اللحية والأصابع إذا كان قريب العهد بالتخليل والترجيل. وكان صلى الله عليه وسلم يحرك خاتمه في الوضوء في أكثر أحواله.