لكن هنا استدراكية وذلك أنه رضي الله عنه لما حذر فيما سبق عن الحب وصرح بأن السقم في أوله والموت في آخره أفهم أنه ليس بمقبول عند أحد لأن الغالب في الطبيعة البشرية عدم الإقبال على ذلك فرفع ذلك بأن الموت في الحب عنده عين الحياة بل هو حياة يستحق بها الحبيب أن يوصف بالتفضيل والإحسان (الإعراب) لكن حرف استدراك وهو مخفف لم يعمل شيئاً والموت مبتدأ وفيه متعلق به أي الموت لأجله وحياة خبر المبتدأ وصبابة منصوب على أنه مفعول لأجله والعامل فيه الموت وجملة لمن أهوى عليَّ بها الفضل جملة اسمية في موضع رفع على أنها صفة حياة (المعنى) موتي في الحب لأجل الصبابة حياة تفضل بها الحبيب عليَّ لأن الموت في المحبة عين الحياة وبه ينال الطالب مناه لأنهم لا يرون الوفاء إلا بالوفاة وفي البيت الإغراب بالغين المعجمة والراء المهملة من الغرابة وذلك أنه جعل الموت عين الحياة لأن الموت في الحب عندهم معدود من الحياة كما تقرَّر في وصفه، قال الشيخ السهروردي رضي الله عنه:
الشرط بذل النفس أوّل وهلة * لا يطمعن ببقائها الأشباح
وفي البيت الطباق بين الموت والحياة (ن) لكن حرف استدراك لما سبق قبله من المعنى وكأنه جواب عن سؤال مقدَّر تقديره أنت قلت بأن الحب والعشق أمر عظيم هائل وحذرت منه غيرك وأخبرت أنه لا يختاره لنفسه إلا المجنون الذي لا عقل له وقلت أن أوله سقم وأن آخره قتل فما بالك أنت اخترته واتصفت به فأجاب بما ذكره وكأنه قال إن الحب والعشق الذي عندي وأنا اخترته ليس كحب غيري وعشقه وإن كان الحب والعشق واحد لا يختلف في نفسه وإنما اختلافه مدحاً وذمّاً من حيث متعلقه وقوله لديَّ أي عندي وفي نظري لنفسي واختياري ذلك لها وقوله الموت فيه حياة لأن الميت خارج عن دعوى حوله وقوّته فإذا خرج عن دعواه
ص 110
ذلك ظهر له أن حوله وقوّته لربه لا له فمات الموت الاختياري قبل الموت الاضطراري فظهر له حينئذ أن موته حياة له لانكشاف الحياة الحقيقية له القديمة الأزلية وقوله لمن أهوى علي به الفضل أي الذي أهواه له الفضل عليَّ بالموت المذكور لأنه حققني به في نفسي فعرفتها فعرفت ربي وقد ورد من عرف نفسه فقد عرف ربه اهـ.