(فَمَنْ لَمْ يَمُتْ فِي حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِ * وَدُوْنَ اجْتِنَاءِ الْنَّحْلِ مَا جَنَتِ الْنَحْلُ)
(تَمَسَّكْ بِأَذْيَالِ الْهَوَى واخْلَعِ الْحَيَا * وَخَلِّ سَبِيْلَ النَّاسِكِيْنَ وَإِنْ جَلُّوا)
(وَقُلْ لِقَتِيْلِ الْحُبِّ وَفَّيْتَ حَقَّهُ * وَلِلْمُدْعِي هَيْهَاتَ مَا الْكَحَلُ الْكُحْلُ)
ص 111
اعلم أن هذه الأبيات متعلقة برأي الشيخ في اتباع الهوى وترك الاعتناء بما عليه العامّة قوله فإن شئت أن تحيا سعيداً استئناف مبني على رأي الشيخ وما أحسن قوله فإن شئت أن تحيا سعيداً فمت كما قال الأُوَّل:
موت النفوس حياتها * من رام أن يحيا يموت
وكلامه رضي الله عنه مبني على القواعد الشرعية لأن الشهداء لا يموتون {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} وكلامه في البيت الأول إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم موتوا قبل أن تموتوا والشيخ يكرّر هذه المعاني على أساليب مختلفة قال في التائية الكبرى:
هو الحب إن لم تقض لم تقض مأربا * من الحب فاختر ذاك أو خل خلتي
وجانب جناب الوصل هيهات لم يكن * وأنت حيّ إن تكن صادقاً مت
وتحيا بفتح التاء من باب علم يعلم وقوله شهيداً حال من فاعل مت واعلم أن الشهداء على ثلاثة أقسام الأول شهيد الدنيا والآخرة وهو من قتل في معركة الكفار وكان قصده بقتاله أن تكون كلمة الله هي العليا فأما كونه شهيد الدنيا فمعناه أنه لا يغسل ولا يصلى عليه وأما كونه شهيد الآخرة فمعناه أنه يلقى مراتب الشهداء الثاني شهيد الآخرة فقط وهو من مات حريقاً أو مات غريقاً أو قتل ظلماً أو مات مبطوناً أو مطعوناً وكذا من مات عشقاً أو بالطلق الثالث شهيد الدنيا فقط وهو من مات في حال القتال ولم يبق فيه حياة مستقرة بسبب قتال الكفار وبدأ به بسلاحه أو سلاح مسلم خطأ أو جهل السبب فإن بقيت فيه حياة فلا وإن قطع بموته فإن قلت لم سمي الشهيد شهيداً قلت لأن الله ورسوله شهدا له بالجنة أو لأن ملائكة الرحمة تشهده أو لأن الله تبارك وتعالى وملائكته شهود له بالجنة أو لأنه ممن يستشهد يوم القيامة على الأمم الخالية أو لسقوطه على الشاهدة أي الأرض أو لأنه حاضر عند ربه حي أو أنه يشهد ملكوت الله تعالى وملكه قوله وإلا أصله أن لا فإن هي الشرطية ولا هي النافية وفعل الشرط محذوف تقديره وإلا تمت في حبه فالغرام له أهل يموتون فيه فالمعنى إن كنت تريد الحياة السعيدة فاجعل نفسك يقتل المحبة شهيدة وإن كنت تريد المورد السهل فعرّج فإن الغرام له أهل فهم في حياتهم به يموتون {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} قوله فمن لم يمت في حبه لم يعش به لا يظهر للضمير في قوله في حبه مرجع سوى أن نقول إنه راجع إلى الحبيب المفهوم من المقام ويجوز أن يرجع إلى الهوى على سبيل المبالغة لأن القوم صرّحوا بأن من جملة مقامات العشاق مقاماً يقال فيه حب الحب ولب اللب وقد تكلم على هذا المقام الشيخ العارف بربه مولانا عبد الرحمن الجامي في كتابه المسمى بنفحات الأنس قوله ودون اجتناء النحل اعلم أن الاجتناء هنا عبارة عن إخراج أقراص العسل من مواضعها فيكون في التركيب مضاف محذوف أي دون اجتناء عسل النحل أي قبل أن تصل إلى عسل النحل في خلاياه لا بدَّ أن تصيبك جناية النحل وأذاه وذلك لأن القرص قبل حصول القرص والجناية قبل الاجتناء
ص 112
فمن لم يوطن نفسه على المرارة لا يصل ذوق الحلاوة وقد نطق بذلك المتنبي حيث قال:
تريدين لقيان المعالي رخيصة * ولا بدّ بدون الشهد من أبر النحل
قوله تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا أمر بما هو عنده مقبول وعلى العين والرأس محمول من إظهار دعوى المحبة والتمسك بأسبابها فإن التمسك بأذيال عبارة عن كمال الملازمة ونهاية المقاربة فهو ضرب من الكتابة وأما خلع الحياء فهو عبارة عن طرح أسبابه وخلع أثوابه وإظهار التهتك وإخفاء الوقار وإظهار الخلاعة بترك الأستار فإن قلت الحياء مطلوب وهو معدود من شعب الإيمان فكيف ساغ للشيخ أن يأمر بخلعه قلت لا شبهة في أن هوى الشيخ وأمثاله مطلوب مرغوب وصاحبه ملسوب يحية الغرام وليس بمسلوب فيكون المعنى حينئذ اخلع الحياء الداعي إلى ترك هذا الهوى فإن هوانا وإن جلب هواناً فهو لدنيا مقبول وعلى العينين والرأس محمول وكيف لا يكون كذلك ومن سلك هذه المسالك فقد ارتقى من الأثر إلى العين وفاز بسعادة الدارين ولا شك أن الهوى المقبول معدود عندهم من أسباب الوصول قوله وخل أي اترك واطرح والسبيل الطريق ويجوز فيه التذكير والتأنيث والناسكون العابدون قوله وإن جلوا إن هنا وصلية وأمثالها تذكر لمجرد التأكيد لا للشرط ومن ثم لا تحتاج إلى جواب وجلوا ماض مسند إلى ضمير الناسكين وهو من الجلالة بمعنى العظمة فكأنه قال اترك طرائق العابدين الذين لا سلوك لهم في طريق المحبة وإن كانوا أجلاء فلا تتبع طريقهم ولا تعاشر فريقهم قوله وقل لقتيل الحب وفيت حقه أي قل أيها المخاطب لمن قتل في الغرام وفيت حقه بتاء مفتوحة للمفرد المخاطب المذكور أي قل أنت وفيت حق الحب بسبب أنك قتلت في معركة شهداء المحبة فعلم من ذلك أن حق الحب الموت في رضا الحبيب وإن لم يحصل له من الوصال حظ ولا نصيب قوله وللمدّعي هيهات ما الكحل الكحل أي قل للمدّعي الذي لم يمت في طريق المحبة وما أحسن ما أفاده رضي الله عنه من أن من لم يمت في الحب فهو مدّع وكل مدّع كذاب فمن مات في هواه صدق في دعواه ومن استمر حياً مع دعوى الحب فهو كذاب وليس معدوداً في الحقيقة من أولي الألباب قوله هيهات ما الكحل الكحل من مقول القول أيضاً بمقتضى العطف إذ المراد وقل للمدّعي الذي ينطق بلسانه ولا يوافق باعتقاد جنانه هيهات قد بعد عنك الوصول ونأى عنك القبول فإن التكحل المصنوع ليس كالكحل المطبوع كما قال المتنبي:
لأن حلمك حلم لا تكلفه * ليس التكحل في العينين كالكحل
وقال الشريف الرضي:
هيهات لا تتكلفن إلى الهوى * غلب التطبع شيمة المطبوع
قوله ما الكحل اعلم أن المبتدأ والخبر هنا معرفتان ولكن فيهما ما يميز المبتدأ عن الخبر مثل أبو حنيفة أبو يوسف تقدم أو تأخر هو المبتدأ لأنه في مقام أن يشبه بأبي حنيفة إذ المعنى أبو يوسف مثل أبي حنيفة كذلك الكحل هنا مبتدأ نقدّم أو تأخر إذ المراد ليس الكحل المجلوب للعين مثل الكحل المخلوق فيها والكحل الذي يكون اسم الجنس بضم الكاف وسكون الحاء وأمّا الصفة المخلوقة في العين فهي كحل بالتحريك وما هنا ليست عاملة لعدم تربيتها (ن) قوله شهيداً أي مشاهداً من الشهادة وهي المعاينة للأمر على ما هو عليه وهي حال والحال قيد
ص 113
في الكلام يعني لا تمت إلا وأنت شهيد مشاهد لأمر الحق تعالى وهو مقام الإسلام التام وصاحبه صاحب ذوق وإحساس لا تخيل ووسواس وقوله ومن لم يمت في حبه أي الموت الاختياري بوجه أن حوله وقوته لربه لا لنفسه وقوله يعش به أي بسبب حبه تلك العيشة الحقيقية الباقية وإنما يعيش يغيره من قوى روحانيته العرضية الفانية وقوله ودون اجتناء النحل ما جنت النحل النحل ذباب العسل وفيه تلميح بقوله تعالى {وأوحى إلى النحل} إلى آخر الآية أي إلى نفوس أهل المعرفة من الأولياء المحققين أولي الذوق والوجدان واليقين وكلام الناظم يعني ودون اجتناء واقتطاف عسل علومهم ومعارفهم الإلهية والوصول إلى مقاماتهم ما جنت النحل أي ما جرته من الجنايات والبلايا والمحن وكون النحل تجني على من أراد اجتناء عسلها أي تكون سبباً لوقوع السالكين في المحن الإلهية والفتن الربانية التي يبتلى بها المريد في طريق الله تعالى فإنهم الأئمة المرشدون والورثة المحمديون والعسل أحد أنهار الجنة الأربعة وهي علوم الفتح الرباني والإلهام الصمداني وهي علوم الصالحين من الأولياء والمقربين وقوله تمسك بأذيال الهوى يعني إذا لم يبق في قدرتك إلا تحصيل آخر أطرافه فاقبض عليه وتعلق به ولا يفوتك فإن فيه نجاتك بالإخلاص فيه والتقوى أو هلاكك بعدم ذلك وقوله واخلع الحيا إنما أمر بخلع ثوب الاستحياء لكمال قيامه بالإخلاص والتقوى في ظاهره وباطنه كما قال تعالى {إنّ الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} إلى آخر الآية وكذلك العارف المحقق لا يستحي من الحق لأنه على الحق في ظاهره وباطنه وقوله وخل سبيل الناسكين أي العابدين الزاهدين من أهل الغفلة المتوجهين بعلو هممهم إلى عبادة الله وطاعنه المشتغلين بذلك عنه تعالى وعن التوجه إلى معرفته ومعاني تجلياته ولا يطلبون ذلك ولا يرغبون فيه وإنما رغبتهم في طاعته وعبادته فقط وقوله وإن جلوا أي وإن عظموا في عيون عوام المسلمين لرؤيتهم منهم أنواع الطاعات والعبادات في الليالي والأيام من الصلاة والصيام ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أكثر من التهجد والقيام حتى تورمت منه الأقدام أنزل الله عليه {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى} بعني أن حكمة نزول القرآن عليك لتذكر بآياته وتوصل المؤمنين إلى المعرفة الإلهية بإشاراته فيتوصلون إلى الخشية وهي الإجلال والاحترام قال تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} أي العلماء به تعالى بمعرفته فيعرفون من خلق الأرض والسماوات وقوله وقل أي يا أيها السالك وقوله لقتيل الحب أي للذي قتله عشقه الرباني وقتل المحبة الإلهية الكشف عن نفسه ومعرفته بها بحيث لم يبق فيه لنفسه حركة أصلاً وهو الموت الاختياري كما قدمناه وإن بقي بأحواله كلها في ظاهره على ما هو عليه في حياته الدنيوية وقوله وفيت حقه أي حق الحب وما يقتضيه من نتيجته النافعة في الدنيا والآخرة وهي ظهور أمر الله تعالى في ظاهر العبد وباطنه وقوله وللمدعي أي وقل للمدعي الذي يدعي لنفسه بنفسه مقامات العارفين وأحوال الواصلين وليس له معرفة ذوقية ووجدانية بل هو مؤمن مصدق وقوله هيهات اسم فعل بمعنى بعد أي الذي أنت فيه من الأحوال النفسانية بعيد جداً عن الأحوال الوجدانية والأمور الذوقية التي تدعيها بالكذب والبهتان وإنما أنت مؤمن بالغيب بعيد من مقام الإحسان وقوله ما الكحل بفتح الكاف وفتح الحاء وهو أن يعلو منابت الأشفار سواد خلقة
ص 114
أو أن تسود مواضع الكحل وقوله الكحل بضم الكاف وسكون الحاء وهو الإثمد وكل ما وضع في العين لتشفى به وهذا مثل أصله (ليس التكحل في العينين كالكحل) والمعنى ليس الكحل الأسود الموضوع في العين مثل الكحل بالتحريك السواد الخلقي الذي جعله الله تعالى في العين وكذلك ليس ذوق المعرفة الإلهية ووجدان المعارف الربانية والإحساس بالأمر الحق الذي أقام به كل شيء على الكشف والشهود مثل فهم ذلك بالعقل وتخيله بالقوة الخيالية وهو غائب عنه فيدعيه زوراً وبهتاناً وظناً وحسباناً.