شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الأول › [القصيدة الفائية] › [مقدمة القصيدة] › (وَلَقَدْ أَقُوْلُ لِمَنْ تَحَرَّشَ بِالهَوَى * عَرَّضْتَ نَفْسَكَ لِلْبَلاَ فَاسْتَهْدِفِ)

ابحث في الصفحة

(أَنْتَ القَتِيلُ بِأيِّ مَنْ أَحْبَبْتَهُ * فَاخْتَرْ لِنَفْسِك فِي الهَوَى مَنْ تَصْطَفِي)

التحريش الإغراء بين القوم يقال حرشته فتحرش أي أغريته بالشيء فتعلق به وأولع به والهوى المحبة واستهدف فعل أمر معناه انتصب هدفاً لتكون علامة ترمى إليها سهام المحبة وقوله أنت القتيل بأي من أحببته اعلم أن أياً هذه كانت في الأصل شرطية ثم إنها تصرّف فيها حتى صارت بمعنى النكرة أي أنت القتيل بكل ذات أحببتها وإنما قلنا أنها في الأصل شرطية لأن المعنى من أحببته وقد مثل الشيخ الرضي لأي الموصولة بقولهم اضرب أيهم لقيت وهو في المثال مثل التي في البيت وقوله فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي مفرع على قوله أنت القتيل بأي من أحببته يعني إذا كان القتيل لازماً للمحبة فليختر المحب لنفسه حبيباً يصلح أن يقتل به وعلى نحو ذلك قوله صلى الله عليه وسلم يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يحالل لكن يشكل

ص 200

على كون أي في البيت موصولة إنها حينئذ لا صلة لها لأن من التي أضيفت إليها إما موصولة فما بعدها صلتها وإما نكرة فما بعدها صفتها فأين صلة أي اللهم إلا أن تقول أن من هنا نكرة تامة فلا تحتاج إلى صفة والكلام مع هذا محل تأمل فليحرر وهذا الشعر هو السحر الحلال (ن) قوله ولقد أقول اللام موطئة للقسم المقدر والتقدير والله قد أقول وقد لتوقع حصول القول منه وقوله بالهوى أي بالمحبة مطلقاً للمحبوب الحق من حيث ظهوره بالصور العلمية وقوله للبلا أي للامتحان من الله تعالى لإظهار صدقك في المحبة أو كذبك فيها والبلا هنا مقصور لضرورة الوزن وقوله أنت القتيل أي المقتول على الحالة التي أنت فيها من خير أو شر والقتل هنا بمعنى الموت اللازم الذي لا بد منه لكل حي بالحياة الدنيا وقوله بأي من أحببته الباء للملابسة أي أنت القتيل بملابسة محبة أي شيء أحببته فإن المرء يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه أو الباء للسببية أي بسبب أي حبيب أحببته فاختر حالة تكون عليها في الدنيا وتموت عليها وتحشر وقد عرضنا عليك محبة الله تعالى ومحبة الأغيار من العوالم وشرحنا لك ذلك فانظر في نفسك ولا تغشها واصدق في حالك ومقالك قال تعالى {ليسأل الصادقين عن صدقهم} فكيف الكاذبون اهـ.