(لَو قَالَ تِيهاً قِفْ عَلَى جَمْرِ الْغَضَى * لَوَقَفَتْ مُمْتَثِلاً وَلَمْ أَتَوَقَّفِ)
(أوْ كَانَ مَنْ يَرْضَى بِخّدِّي مَوْطِئاً * لَوَضَعْتُهُ أرْضاً وَلَمْ أَسْتَنْكِفِ)
قوله وهواه قسم ومقسم به أي أقسم بهواه وجملة قوله لو قال تيهاً إلى آخر البيت من الشرط وجوابه جواب القسم يعني أقسم بهواه على أنه لو قال لي تيهاً أي لا لغرض ولا لسبب ظاهر ولا لحكمة عقلية قف على جمر الغضى الذي لا تنطفي ناره لوقفت ممتثلاً أمره من غير مخالفة وجملة قوله وهو أليتي وقوله وكفى به قسماً جملتان معترضتان بين القسم وجوابه وأما قوله أكاد أجله كالمصحف فهي جملة في موضع نصب على أنها صفة قوله قسماً يعني وصل هواه في العظم إلى أنني قاربت أن أجله كإجلال المصحف ولذلك أقسم به وقوله أو كان من يرضى بخدي موطئاً إلى آخر البيت عطف على البيت المتقدم وحاصل الأبيات الثلاثة أنه يقول أقسم بهواه العظيم الذي لا ألية لي سواه ويكفيني في صدق كلامي أن أحلف به لو قال لي تيهاً وتكبراً منه لا لسبب عقلي ولا لغرض مرعي قف على جمر الغضى المعلوم جمره المفهوم حرّه لوقفت لمجرد امتثال أمره من غير توقف مني ولا تخلف بل لو كان يرضى بخدي أن يكون موطئاً لنعاله لوضعت خدي أرضاً يدوم وطؤه عليها من غير استنكاف ولا خلف ولا إخلاف لأن ذلك نهاية شرفي وغاية تنعمي
ص 204
وترفي وإنما جمعنا الأبيات الثلاثة وتكلمنا عليها جملة لتعلق بعضها ببعض وفيها من البديع المبالغة كما ترى وفي البيت الأول المقاربة في اللفظ بين هواه وهو وفيها جناس الاشتقاق بين وقفت وأتوقف وفيها جناس شبه الاشتقاق بين يرضى وارض وأما الانسجام فهو موجود في جميع الأبيات الثلاثة بل في جميع شعره رضي الله عنه (ن) الضمير في هواه للمحبوب الحقيقي وقوله وهو أليتي أي حلفي وقوله وكفى به أي بهواه وقسماً تمييز وقوله أجله أي أجل هواه بمعنى أعظمه وإنما يكاد يعظمه كالمصحف لأن المحبة الإلهية التي في العبد نزول المحبة الإلهية في العبد ظهرت منه أسرار معاني القرآن العظيم وانكشفت له العلوم الإلهية والمعارف والحقائق الربانية فكانت تلك المحبة الإلهية متضمنة للقرآن العظيم بمنزلة المصحف المتضمن لذلك فلهذا يكاد يجلها كالمصحف وقوله لو قال تيهاً إلى آخر البيت يعني لو كلفني هذا المحبوب الحقيقي بأن أدوم قائماً على النار الموقدة بأشد الأحطاب فإني أمتثل أمره لا خوفاً منه ولا رجاء فيه بل حباً له وشغفاً في وجهه الكريم كيف ولم يأمرني بشيء من ذلك محبة منه لي ورحمة قال تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وقال {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ومنه إشارة إلى أنه بعد كمال معرفته بالله تعالى والتحقق به هو قائم بخدمة أوامره ونواهيه على أكمل الوجود وأتم الأحوال وكذا قوله وكان من يرضى إلى آخر البيت.