(أَوْ لَوْ رآهُ عَائِداَ أَيُّوبُ فِي * سِنَةِ الكَرَى قِدْماً مِنَ البَلْوَى شُفِي)
أي لو فرص أن الراوين الرائين لأخبار محاسنك أيها الحبيب ذكروا ليعقوب النبي شيئاً من محاسنك المتوجهة في وجهك لأنساه ذلك جمال يوسف الصدّيق مع ما هو عليه من الجمال ومع ما هو عليه من المحبة ليوسف التي أجرت دموعه كالسحاب الهطال وكذلك لو فرض أن أيوب النبي المبتلى رأى ذلك الحبيب حال كونه عائداً له في مرضه في ابتداء النوم قدماً أي قبل وجود الحبيب الذي رآه أيوب لاشتفى برؤيته هذه من بلواه ولو شرطية ويعقوب وذكر منصوبان مفعولان لأسمعوا وقوله في وجهه متعلق بملاحة ونسي جواب لو وفاعله فيه مستتر والجمال منصوب مفعوله واليوسفي صفة الجمال وأصله اليوسفيّ مشدد الياء لكن حذفت الياء الواحدة تخفيفاً لمناسبة حرف الروي وقوله أو حرف عطف عطف ما بعده على الجملة الشرطية في البيت الأول وفاعل رأى أيوب والهاء مفعوله وعائداً حال من المفعول وفي سنة الكرى متعلق برآه وقدماً منصوب على الظرفية متعلق أيضاً برآه ومن البلوى متعلق بشفي وشفي مبني للمجهول أي شفاه الله تعالى بتلك الرؤيا وقوله رضي الله عنه عائداً وفي سنة الكرى وقدماً أمور تقتضي تأكيد تأثير جماله في إزالة الأمراض العظيمة وذلك لأن العائد لا يمكث كثيراً بل جلسته خفيفة في حد ذاتها لأنها مبادئ النوم فالرؤية فيها خفيفة في خفيف وقوله قدماً كذلك لأن المراد لو رآه أيوب في سنة الكرى عائداً له قبل وجود المرئي لأن الحبيب المذكور عبارة عن ذات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فرؤية أيوب متقدمة على وجوده في الخارج فلذلك قال قدماً فتأمل ما ذكرنا لك من القيود الموجبة لكمال تأثير جماله في إزالة الأمراض المستحكمة وقوله من البلوى فيه مبالغة عظيمة وذلك أن المراد شفي من البلوى المعهودة المعروفة المألوفة وهي ابتلاء الله تعالى المذكور في القرآن الكريم وإنما قال ذلك ليبالغ في كمال تأثيره في مثل هذه البلوى العظيمة التي حارت فيها الأطباء واستحكمت في بدنه أعواماً كثيرة ولو لم يقل من البلوى لأوهم أنه شفي من مرض مَّا ولو كان قبل تلك البلوى العظيمة
ص 207
فلا يكون فيه المبالغة المذكورة فتأمل فإنه دقيق وبالاستفادة حقيق وبالحرص عليه خليق والله تعالى يعطي كل عبد ما به يليق وفي كل من البيتين تلميح إلى قصة نبيّ كما ترى وفي الأول شبه الطباق بين التذكر المأخوذ من ذكر والنسيان المفهوم من نسي ولولا ذلك لقال لو أسمعوا يعقوب وصف ملاحة أو ما أشبه ذلك وفيه التجانس بين في وفي المأخوذ من اليوسفي وفيه أيضاً المناسبة بين ذكر يوسف ويعقوب وبين الملاحة والجمال وفي البيتين جناس التصحيف بين شفي في الثاني بالشين المعجمة وسفي في الأول بالسين المهملة (ن) قوله لو أسمعوا يعني الناس المطلعين في ذلك الزمان الأول على تجلي الوجه الرباني في الشخص المحمدي الإنساني وقوله يعقوب هو الذي كان يحب الحق تعالى المتجلي عليه بصورة ابنه يوسف عليه السلام وقوله في وجهه أي وجه هذا المحبوب الحقيقي الظاهر من مشكاة الحقيقة المحمدية في الصورة الآدمية وقوله نسي الجمال اليوسفي أي المنسوب إلى ابنه يوسف كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أعطي يوسف شطر الحسن وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه أعطي الحسن كله كما ورد عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم فلو ذكر المحمديون أوصاف حسنه صلى الله عليه وسلم المتجلي به الحق تعالى على قلوب الورثة المحمديين ليعقوب لنسي الجمال اليوسفي الإلهي المتجلي عليه وقوله أو لو رآه الخ يعني أن أيوب النبي عليه السلام لو رأى هذا المحبوب الحقيقي المتجلي بالصورة المحمدية في عالم غفلته وفتوره عن إدراك الدنيا وما فيها من أحوال أهلها وهو نوم الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم لشفي من البلوى اهـ.