شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الأول › [القصيدة الفائية] › [مقدمة القصيدة] › (وَإِنْ اكْتَفَى غَيْرِي بِطَيْفِ خَيَالِهِ * فَأنَا الَّذِي بِوِصَالِهِ لاَ أَكْتَفِي)

ابحث في الصفحة

هذا المعنى يشير إلى علو همة الأستاذ رضي الله عنه في مقام المحبة باعتبار ما يعرف من الأدلة بمقام الإخلاص وانتصابه تحت علم العشاق على الاختصاص فلذلك يقول وإن اكتفى غيري البيت وذلك كله ترق في مدارج الاتحاد في معنى الوصال وما أحسن قول الوزير أبي علي بن معلم:

وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة * في شامخ عزه المترفع

قالت لي النفس العروف بقدرها * ما كان أولاتي بهذا الموضع

وهو رضي الله عنه لما رأى حالة احتضاره الجنة وقد عرضت عليه الملائكة صاح وتأوّه ونادى:

إن كان منزلتي في الحب عندكم * ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي

أمنية ظفرت روحي بها زمناً * واليوم أحسبها أضغاث أحلام

قال الراوي لهذه القصة فلما قرأ هذه الأبيات سمع هاتفاً يقول له فماذا تريد يا عمر فأنشد قوله من التائية الكبرى:

أروم وقد طال الكدى منك نظرة * وكم من دماء دون مرماي طلت

قال ثم تبسم وفاضت روحه رحمه الله فعلم الحاضرون من الأولياء والصالحين أنه قد نال مرامه ومن جملة الأولياء المشهورين في ديار العجم المولى الصالح المسمى بالشيخ محمد المغربي ولم يكن مغربياً وإنما كان تبريزياً لكنه سافر إلى ديار الغرب واعتقد في أحوال الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنهما فلقب بالمغربي لذلك وله أحوال مشهورة وكرامات مذكورة وله ديوان فيه شعر بالفارسية وشعر بالعربية فمن ذلك قصيدة عربية من جملتها قوله:

يا سادتي هل يخطرنّ ببالكم * من ليس يخطر غيركم في باله

حاشاكم أن تغفلوا عن حال من * هو غافل في حبكم عن حاله

بخيالكم إن كان غيري يكتفي * فأنا الذي لا أكتفي بوصاله

وهو صريح بيت الشيخ رضي الله عنه غير أنه غير الأسلوب في حرف الروي فاعلم ذلك (ن) قوله وإن اكتفى غيري أي من الجاهلين المحجوبين المكتفين بشهود صور أنفسهم عن شهود ظهوراته تعالى وتجلياته بكل صورة وطيف خيال المحبوب هو ما في علم ذلك الجاهل بالله تعالى المحجوب عنه في وقت استحضاره له وقوله فأنا الذي بوصاله أي المحبوب المذكور في اليقظة الحقيقية التي لا نوم فيها بأن يذهب عني الخيال بالكلية وأتحقق بفناء جميع صور البرية وقوله

ص 203

لا أكتفي وإنما أطلب فوق ذلك حتى أرجع إلى حضرة الذات الأقدس عارية عن الأسماء والصفات بحسب ما هنالك وهناك ينقطع الكلام وتسكن حركة اللام والسلام اهـ.